الأن نستطيع أن نؤكد أننا أمام عملية إنقلابية متكاملة الأركان من الناحية الدستورية والتشريعية قام بها المجلس العسكري ليطيح بجميع خصومه السياسيين باعتباره الوريث الشرعي للدولة الأمنية وللنظام العسكري الذي لم يسقط بعد.
تأتي هذه العملية – في ظاهرها – لكي تضع نهاية لمرحلة إنتقالية عبثية أدت إلى إضافة تشوهات كبيرة إلى مرحلة التحول الديمقراطي التي بدأت عقب نجاح الشعب المصري في الإطاحة بمبارك، ولكنها تبدو – في حقيقتها – بداية فعلية لمرحلة إنتقالية أخرى تختلف في ملامحها وممارساتها عن تلك التي وضعت الإنتخابات الرئاسية نهاية لها.
ورغم أن تلك الإنتخابات قد بدت وكأنها طوق النجاة بالنسبة لقطاعات واسعة من الشعب المصري تبحث في المقام الأول عن الأمن والإستقرار.. إلا أن حكم المحكمة الدستورية العليا بحل البرلمان قد أطاح بآمال وأحلام كثيرين في دولة الإستقرار التي كانوا يعتقدون أنها تقبع خلف الإنتخابات الرئاسية، ووضع البلاد في مواجهة مأزق سياسي وفراغ دستوري يحتاجان إلى توحيد الصفوف وتكاتف القوى السياسية والثورية حتى نتمكن من الخروج بحلول ناجزة لتلك الازمة التي قد تؤدي بنا في النهاية إلى فوضى عارمة.
والحقيقة أن هناك العديد من الرموز اللذين يتمتعون بثقل سياسي في الشارع، ومن الباحثين والمهتمين بالشأن العام قد نجحوا بالفعل في وضع بعض التصورات للملامح التي يجب أن تخرج بها مرحلة ما بعد الإنتخابات الرئاسية التي من المفترض أن تكون بمثابة الخطوة الأولي نحو بناء نظام ديمقراطي حديث، إلا أنه بالنظر إلى تلك الأطروحات ومقارنتها بالواقع يتضح أنه من الممكن طرح بعضها للمناقشة كخيار جدي يحتاج فقط إلى توافق القوى السياسية والثورية عليه، وإستبعاد الأخرى لعدم إتساقها مع الواقع الحاصل على الأرض الآن.
يأتي في مقدمة تلك التصورات التي يجب أن تؤخذ في الإعتبار كمسار يمكن تطبيقه عملياً في المرحلة المقبلة، بل ويعد هو السيناريو الأقرب والحل الأمثل للخروج من المعضلة الدستورية والقانونية التي نواجهها.. يأتي التصور الذي قام بطرحه الدكتور محمد البرادعي مؤخراً والذي يتضمن الإعتراف بالنتيجة التي سوف تسفر عنها الإنتخابات الرئاسية الحالية بإعتبار الرئيس الذي سوف تأتي به تلك الإنتخابات رئيساً مؤقتاً يتولى إدارة شئون البلاد أثناء مرحلة إنتقالية يتم خلالها الإنتهاء من كتابة الدستور أولاً، والذي سوف يتم على أساسه فيما بعد إنتخابات تشريعية ثم إنتخابات رئاسية.
والواقع فإن هذا الإقتراح السابق يعد في مجمله إقتراحاً مثالياً من الناحية النظرية إلا قليلاً، ويحاكي الواقع بكل مفرداته من الناحية العملية إلا قليلاً لسبب واضح وهو أنه لم يقدم أي تفسير حول السلطة التشريعية وما إذا كانت سوف تنتقل بالتبعية ضمن باقي الصلاحيات التي سوف تنتقل من المجلس العسكري إلى الرئيس الجديد، أم أن المجلس العسكري سوف يستمر في الإحتفاظ بها لنفسه، ذلك ربما لطرح الدكتور البرادعي لهذا التصور قبل أيام من صدور حكم المحكمة الدستورية العليا بحل البرلمان. وأمام هذا الغموض الذي يكتنف وضع السلطة التشريعية ضمن هذا الإقتراح، مع الأخذ أيضاً في الإعتبار طول الفترة التي سوف يحتفظ خلالها المجلس العسكري أو الرئيس بالسلطة التشريعية ضمن الإختصاصات الموكلة إليه، وهي الفترة الفاصلة بين حل البرلمان رسمياً وبين الإنتخابات التشريعية التي سوف يكون من المفترض أن تتم عقب الإنتهاء من كتابة الدستور الجديد.. أعتقد أن هذا الإقتراح قد يحتاج إلى بعض الإضافات حتى يخرج بالصورة النهائية الصحيحة التي تمكنا – بالفعل – من تخطي تلك المرحلة العصيبة.
في تصوري أن تلك الإضافات او التعديلات الطفيفة التي يمكن إضافتها على الإقتراح السابق للدكتور البرادعي من الممكن أن تكون كما يلي:
تشكل الجمعية التأسيسية الجديدة التي سوف تكون مهمتها هي تعديل الباب الخامس – الخاص بنظام الحكم – من دستور 1971 وإستعادة العمل به كدستور مؤقت يمكن على أساسه أن تتم الإنتخابات التشريعية في أسرع وقت ممكن حتى نتمكن من مليء الفراغ التشريعي الذي نتج عن حكم المحكمة الدستورية الأخير، وحتى لا تتجمع كل السلطات في يد الرئيس، أو تصبح السلطة التشريعية سلاحاً يمكن أن يستخدمه المجلس العسكري في تحقيق أغراض سياسية في المستقبل.
أما بخصوص إقتراح تسلم الرئيس الجديد لسلطاته كرئيس مؤقت للبلاد فمازال هناك مجال لتطبيقه، بحيث يتم إسناد السلطات الواردة في الباب الخامس من دستور 1971 بعد تعديله إليه حتى يتم الإنتهاء من كتابة الدستور الدائم الذي سوف تتم على أساسه بعد ذلك الإنتخابات التشريعية والرئاسية طبقاً لنظام ديمقراطي متكامل الأركان.
أحمد أبودوح