ستدخل أوساط حوزة النجف في قادم الأيام بنقاشات يفجرها قرب مجيء المرجع الديني الايراني محمود الهاشمي الشاهرودي، مع ما يؤشر أحتمال خلافته للمرجع الأعلى آیة الله العظمی علي السيستاني في صدارة حوزة النجف.
وبغض النظر عن مواقف الحركات السياسية والتيارات الفكرية الموجودة في العراق من التدخل السياسي للدين أو المؤسسة الدينية وحوزة النجف بشكل خاص بالقبول أو الرفض، فأن الواقع يؤكد أن هذه الحوزة بمرجعيتها اضطلعت بدور سياسي مؤثر من خلال إصدارها فتاوى "سياسية من جهة مهمتها دينية صرفة"، ما جعل قوى سياسية بضمنها تلك المتبنية للعلمانية إلى زيارة مرجعية النجف والتودد لها وتجنب الصدام بها على أقل تقدير.
وحرصت المرجعية على اتخاذ مواقف إزاء قضايا تتعلق بإدارة الدولة بردها استفتاءات ترد من أتباعها أو من خلال خطب الجمعة لمعتمديها سيما الشيخ عبد المهدي الكربلائي وهو أمام جمعة كربلاء الذي يعد أبرزهم.
من هو الشاهرودي؟
آية الله العظمى محمود الهاشمي الشاهرودي أحد مؤسسي حزب الدعوة الإسلامية، وتلميذ مؤسسه محمد باقر الصدر، غادر العراق عام 1979، متوجها إلى إيران، بإيعاز من الصدر، ليكون وكيله العام.
وتخلى الشاهرودي لاحقاً عن ارتباطه بحزب الدعوة، إلا أن علاقاته لم تنقطع برجالات الحزب، وارتبط بمؤسسة الولي الفقيه في إيران وقد عين رئيساً للسلطة القضائية في إيران لمدة ثمانية أعوام وعضواً في مجلس صيانة الدستور الإيراني، وكذلك عضواً في مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني.
وتفيد معلومات عن نية حزب الدعوة إرجاع كوادره إلى مرجعية الشاهرودي عقب وفاة محمد حسين فضل الله مرجع الحزب، كما تفيد المعلومات الواردة من النجف أنه سيعود ليسكن فيها وهناك أجواء تشير إلى التهيئة لمرجعيته كمرجعية عليا في المستقبل.
الشاهرودي المولود في عام 1948 في محافظة النجف، وهو أول من تزعم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، قبل محمد باقر الحكيم، كان المشرف على تشكيلات المعارضة العراقية في إيران ومهندس الارتباط بينها وبين السلطات الإيرانية العليا طيلة فترة الثمانينيات من القرن الماضي وحتى احتلال الأميركان لبغداد في 2003.
والتقى الشاهرودي بمجموعة من طلبة الحوزة العراقيين قائلاً يجب على الدولة العراقية والشعب العراقي أن يجعلوا دينهم سياستهم وسياستهم في دينهم في اشارة الى الفلسفة الخمينية المطالبة بادخال الدين في السياسة، لافتاً إلى أن “المراجع وعلماء الدين يتبعون سياسة صحيحة في مسيرتهم لذا فإنه من الضروري أن يتبع الشعب علمائهم وأن يسيروا وفق ما يعينوه لهم ليتمكنوا من الوقوف أمام الاستكبار العالمي وبالخصوص أميركا ولأجل أن يستطيعوا الوصول إلى أهدافهم التي خططوا للوصول إليها”.
ووجه الشاهرودي أتباعه بالقول “يجب أن تؤخذ المسائل ذات المنفعة العامة بنظر الاعتبار بشكل جاد ويجب ترك المسائل الجزئية لأن التعرض إلى الجزئيات لن تكون نتائجه سوى إيجاد الاختلاف والفرقة بين الصفوف وهذا مما يضر بالشعب العراقي بشكل عام”.
وقال في اللقاء الذي تم مساء الأحد السابع والعشرين من ايار (مايو)، حيث قال أن “من أهم عوامل انتصار الثورة في إيران على النظام الطاغوتي وسائر الأنظمة المستكبرة وعلى رأسها أميركا هو مزج الدين بالسياسة وعدم فصلهما عن بعض”، مؤكداً أنه “على أنه يجب أن تجعل الحكومة العراقية والشعب العراقي هذا الأصل المهم على رأس القائمة في مهامهما المستقبلية”.
وأشار الشاهرودي في ذات اللقاء إلى ما وصفها بـ “الخطط التي يحيكها الأعداء في سبيل الوقوف أمام الحركة الإسلامية الأصيلة التي يقوم بها الشعب العراقي”.
وذكر الشاهرودي “في هذه الأيام يسعى الأعداء في الداخل والخارج إلى إيجاد الانحراف والضعف في حركة الشعب العراقي نحو الرقي لذا فمن الواجب على الشعب والأحزاب أن تتحد وتلتئم على بعضها لتستمر في حركتها القيّمة”.
تحذير من سيطرة دول
وحذر نجل المرجع الديني بشير النجفي وهو أحد المراجع الاربعة البارزين إلى جانب السيستاني والذين كان يرجح أن يخلف أحدهم في رئاسة الحوزة ويكون المرجع الاعلى، الشيخ علي بشير النجفي من سيطرة بعض الدول على العراق من خلال المؤسسات الدينية المجهولة، مشيراً إلى أن مهمة الأجهزة الأمنية الحفاظ على السيادة العراقية، مستبعداً ظهور مرجعيات جديدة في العراق قد تكون بدل المرجعية الموجودة.
وقال الشيخ النجفي "إن المرجعية في العراق واضحة وموقفها واضح وليس من السهل أن تظهر مرجعية جديدة تحاول أن تكون بدلا عن المرجعية الموجودة"، مشيراً الى أن من يحاول أن يظهر تلك المرجعيات مجرد تشويش على المجتمع لكن تبقى المرجعية الوحيدة هي المرجعيات الموجودة في البلد.
وأضاف أن “مهمة الأجهزة الأمنية الحفاظ على سيادة العراق ومتابعة بعض الدول التي تريد السيطرة على العراق من خلال المؤسسات الدينية الوهمية سواء كانت تلك المؤسسات من دول الجوار او غيرها”.
وقال الشيخ فرحان الساعدي ألاستاذ في الحوزة العلمية في النجف “السيد الشاهرودي ليس غريبا على الحوزة فهو أبنها وأبن النجف وتلميذ السيد محمد باقر الصدر ومع هذا فان قضية التصدي للمرجعية أو غيرها من شؤون الأمة الإسلامية ليست خاضعة بالجنسية".
وأضاف “حوزة النجف ليست فاتيكان ليجتمع الكاردنالات ويقولون أن فلاناً هو البابا، فلدينا مجموعة من المراجع ذوي الاعلمية المشهودة، ويوجد إقرار ضمني بينهم باعلمية احدهم فنرى أن مرجعا واحداً هو الذي يشار إليه بالمرجع الأعلى وهو السيد السيستاني بينما المراجع البقية يشار لهم بالمرجع الكبير”.
وأكد الساعدي بأن قضية تصدر المرجعية ليس سهلة لانها ليست قضية اعلمية وحسب فهي قد تتضمن اعتبارات اجتماعية، والسيد الشاهرودي إذا ما جاء النجف واستوطنها فقد يحتاج لوقت طويل للحديث عن تصدره المرجعية.
أما السيد قاسم الزوين الأستاذ في حوزة النجف فقال “نحن لدينا أيمان بأن المنحرف أذا أراد أن يتصدى للمرجعية ويقود الأمة فأنه لن يوفق من قبل الله، فطوال تاريخنا لم يحصل أن كان لدينا مرجع غير عادل وهذه مسألة غيبية”.
وأضاف الزوين بان “الشاهرودي شخصية ليست بالعادية حوزويا وعليما لكنه مع ذلك يحتاج لا تفاق المراجع لوقت”.
وأكد الزوين أن “الشاهرودي يتبنى نظرية ولاية الفقيه.
ولاية الفقيه
مصطلح سياسي موجود في الفقه الاسلامي حيث يعتبرها فقهاء ولاية وحاكمية الفقيه الجامع للشرائط في عصر غيبة الإمام الحجة، بان ينوب الولي الفقيه عن الإمام الغائب في قيادة الأمة.
ويجمع كل مراجع الشيعة على أن لكل فقيه ولاية خاصة على مقلديه في الأحكام الفقهية، إلا أن الاختلاف في الولاية في الأمور العامة التي يراها اية الله الخميني مطلقة في كل شيء.
واجهت فكرة ولاية الفقيه موجة شديدة من الاعتراضات حول الصلاحيات المطلقة للفقيه من قبل كثير من علماء الشيعة المعاصرين سيما بعد وصول متبني هذه النظرية إلى سدة الحكم في إيران، فالذين أنكروا ولاية الفقيه بالمعنى الذي وصل إليه الخميني، قالوا إن الولاية خاصة بالرسول والأئمة الإثنى عشر من بعده، ولا تنتقل إلى نوّاب الإمام "المراجع"، وإن ولاية الفقيه لا تعني أكثر من ولاية الفقيه الذي يستطيع تعيين أمين على وقف لا متول له "والرأي الاخير هو لحوزة النجف بما فيهم السيستناني فهم يعتقدون بالولاية الخاصة".
وبناء على ما أورده أنصار ولاية الفقيه من أدلة، فالمفروض أن حكم الفقيه هو حكم رسول الله، وحكم الأئمة، مع فارق المنزلة، وهذا هو الفرق الوحيد بين الإمام والفقيه العادل مما استأثر الله بعلمه، كما ذكر الخميني.
وهذه المنزلة سببها كما ذكر الخميني أن عصمة المعصوم إنما كانت بسبب المنزلة العالية والمقام المحمود، وأيضاً بسبب خلافته التكوينية.
وهنا يجدر القول أن عصمة الإمام عند الشيعة ليست فكرة تجريدية، وإنما هي فضلا عن ذلك، واقع فكري يتجسد في قول المعصوم وفعله أثناء ولايته وحكمه، فالتسليم للفقيه العادل "المرجع" بالنتائج العملية "للعصمة" في القول والعمل.
ويرى أية الله العظمى علي السيستاني في الفلسفة السياسية الإسلامية، أن الحكومة ينبغي أن تتشكل وفاقاً لرأي الأمة، بعيداً عن أي لون من ألوان العنف والإكراه.
وتكون أحكامه مقبولة إذا كانت أوامره تحفظ المجتمع من العبث والخراب والضياع وإسالة الدماء بدون مبررات شرعية قويمة، فتؤمن للناس الأمان والسير بهم لما فيه قوام معاشهم وحياتهم ولا تنفذ بما لا يتوافق مع حفظ النظام الاجتماعي أو ما يسبب خللا وزحزحة للنظام والأمان وقوام ومعاش الناس.
ومن الجدير بالذكر أن السيد السيستاني يرفض دخول علماء الدين في المناصب كأن يكون عالم الدين وزيرا أو مديرا لأن ذلك- بحسب رأيه – يسيء إلى الدين ولا يخدم السياسة، ومن ذلك أفتى في العراق بحرمة دخول طلبة العلوم في المناصب مباشرة وأنه عليهم أن يقوموا بدور النصح والتقويم ويخلقوا بدون دخول مباشر في دهاليز السياسة، ليكونوا مصداقا للحديث الشريف "إذا رأيتم الفقهاء على ابواب الأمراء فقولوا بئس الفقهاء وبئس الأمراء، وإذا رأيتم الأمراء على أبواب الفقهاء فقولوا نعم الفقهاء ونعم الأمراء".