First Published: 2015-01-02

ضجيج في القاهرة.. وطحين في الأقاليم

 

التفرغ لمحاولات كسر العظام بين الأحزاب في مصر سوف يؤدي إلى برلمان يضم بين جنباته، بلطجية، وتجار مخدرات وآثار، وفاسدون، ورموز كريهة من عهود سابقة، وشيوخ وسياسيون ولى زمانهم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

المتابع لمشاهد الاستعداد للانتخابات البرلمانية المقبلة، يشعر أنه أمام معارك سياسية طاحنة على النفوذ والمصالح، ومحاولة كثيرين العودة إلى الطريقة نفسها، التي كانت تدار بها البلاد أثناء عهد الحزب الوطني (المنحل)، دون اعتبار أن هناك تغيرات كبيرة، من الصعوبة أن تسمح باستنساخ تحالفات وتربيطات ومساومات مشبوهة، سادت لفترة طويلة، عندما كانت نتائج الانتخابات محددة سلفا، ومعروف من هو المسموح له بالفوز، أو المحروم منه، في هذه الدائرة أو تلك.

التطورات التي نراها على الساحة، تسير في فلك عكس المزاج العام، ومصممة أن تمضي في فضاء سياسي، تم اختباره وثبت فشله بامتياز. ولا يزال يضرب أصحاب التحالفات أخماسا في أسداس، في محاولة لخروج كل منهم بقائمة موحدة، تتسم بقدر من التماسك، ولا تتحلل بمجرد خروج أحد الأحزاب، بسبب عدم الحصول على ما يريد من مقاعد، فيبحث عن تحالف آخر، عسى أن يحقق له هدفه.

المهم أن نتيجة التباديل والتوافيق التي تسارعت خلال الأيام الماضية، جعلت الكثير منا يصابون بالدوار، وينطبق عليهم التشبيه الذي أطلقته صحيفة التحرير في أحد عناوينها مؤخرا "أنا تهت مني"، نسبة إلى الأغنية الشهيرة للفنان الشعبي عبدالباسط حمودة "أنا تهت مني أنا مش عارفني". فقد أغرقت القيادات الحزبية الناس في دوامة من التكتلات، يصعب فك شفراتها أو فهمها، أو حتى معرفة أولها من آخرها. وإذا كان حالها يغالب عليه "التوهان" وهي في الطريق للبرلمان، فما بالنا بعد الجلوس على مقاعده الوثيرة؟

التحالفات التي سمعنا ضجيجها خلال الفترة الماضية، بعضها قطع شوطا جيدا في التفاهم السياسي، وغالبيتها يتعثر، ويكابد من أجل تحقيق درجة من الانسجام. وأبرز معالم المرحلة السابقة، غلبة المصالح الشخصية، ومحاولات قادة الأحزاب والمحظيين فيها، تصدر القوائم لضمان دخول البرلمان، بأي ثمن وأي وشكل.

وهذه كانت واحدة من أسباب تفكك تحالفات وكيانات، حسبنا أنها اكتملت مبكرا. وتسبب هذا المرض في كشف جانب مهم من معالم انتهازية، أصبحت ملمحا خطيرا، في مرحلة المفترض أن تنقرض فيها هذه الصفات الكريهة، لأننا أمام برلمان يقطع كثيرون أنه الأهم في تاريخ مصر الحديث، ويتطلب رقيا سياسيا، وملامح واضحة في التضحية وإنكار الذات، وحنكة لتحقيق أحلام المواطنين، بدلا من إحباطهم، وبث الفرقة في صفوفهم.

تكالب عدد كبير من الشخصيات السياسية على البرلمان، ضاعف من شكوك الناس، وساهم في ارتفاع حدة عدم الثقة في المرشحين، حيث بدا هؤلاء كمن يريدون السيطرة على الكعكة، أو قضم جزء كبير منها، لأغراض لا علاقة لها بالعمل الوطني، أو خدمة الجماهير. كما عزز الأبعاد الشخصية لدى قطاع من المرشحين، سواء كانوا خاملين أو ناشطين. الأمر الذي يمكن أن تكون له تداعيات سلبية على نسبة إقبال الناس على التصويت، تمنح أصحاب رءوس الأموال، وذوي الخبرة في فنون الانتخابات المختلفة، فرصة أكبر للوصول إلى مقاعد مجلس النواب. وهذه واحدة من النقاط التي يجب تحاشيها، لأن تطبيقها على الأرض، سوف يؤدي إلى برلمان، لا يعبر عن نبض الغالبية العظمى من المواطنين.

المشكلة الرئيسية، أن قيادات الأحزاب، نجحوا في تصدير صورة مغلوطة، أوحت أن الانتخابات سوف تجرى في القاهرة فقط، فقد تجاهلوا الأقاليم، التي تدور فيها حاليا معارك أشد طحنا. وهيأ تسليط الأضواء على العاصمة، والانشغال بالتحالفات الفوقية، المجال لأشخاص لا علاقة لهم بالسياسة، ولم يقتربوا منها، وأن يتحركوا بسطوة المال أو النفوذ الاجتماعي، سعيا لدخول البرلمان، الذي يمثل لهم حصانة وبابا للتستر على الفساد. ومن يراقب ما يجري في محافظات الصعيد والدلتا، والأقاليم عموما، سيجد أسماء معروفة بتجارة المخدرات وسرقة الآثار، تبذل جهودا مضنية، وتنفق بسخاء، لتخطي عتبة البرلمان.

أسماء كانت منخرطة في صفوف الحزب الوطني، أو قريبة من قياداته، وتتقن ألاعيبه، تعتقد أن البرلمان مهنة لا يجب أن تذهب بعيدا عنها. ولدى هؤلاء وهؤلاء اعتقاد راسخ أن مصر لم تتغير، والثورتان كانتا حبرا على ورق، بمعنى أنهما لم تلمسا العصب الرئيسي في حياة المصريين، ولا تزال تتحكم فيها "عصابات سياسية"، هم أولى بالاقتراب منها، لأنهم ينحدرون من عجينة واحدة.

المؤسف أن هذه الانطباعات الخاطئة تلقى رواجا لافتا عند كثير من ساكني الأقاليم، ولا تدرك مخاطرها القيادات الحزبية المشغولة بتربيطات، تضمن لها ولأصدقائها نسبة جيدة من المقاعد تحت قبة البرلمان، ولم تنشغل بتوعية الناس والاقتراب من أوجاعهم، مع أن الفراغ السياسي الحاصل في الأقاليم سمح بأن يعتزم كثير من الفاسدين المعروفين الترشح للانتخابات. ولا أبالغ إذا قلت أن عددا منهم استطاع أن ينسج شبكة من العلاقات مع مسئولين كبار في عدد من المحافظات، لمساندتهم في معركة البرلمان القادم.

التفرغ لمحاولات كسر العظام بين الأحزاب في القاهرة، سوف يؤدي إلى برلمان يضم بين جنباته، بلطجية، وتجار مخدرات وآثار، وفاسدون، ورموز كريهة من عهود سابقة، وشيوخ وسياسيون ولى زمانهم. بالإضافة إلى عدد قليل من الوجوه المحترمة، لم تتلوث أياديهم بدماء أبرياء أو يحصلوا على مكاسب، عبر صفقات سياسية مشبوهة. لذلك نتمنى أن تتخلى القيادات الحزبية الشريفة عن أساليبها المغلوطة، التي أضفت أجواء جديدة من الارتباك العام، لا تتناسب مع طبيعة المرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد. كما شوهت الرهانات الكبيرة للوصول إلى برلمان يتناسب مع التطلعات الشعبية، ويعكس الطموحات التي يحملها الرئيس عبدالفتاح السيسي، والرغبة العارمة في إحداث نقلة نوعية لمصر. الأمر الذي يهيئ المناخ لصدام إرادات في المستقبل، بين الرئيس وعدد كبير من النواب.

الفرصة سانحة أمام الأحزاب، للبحث عن وجوه جديدة، لم تحترق معنويا أو تتورط في فساد مادي أو سياسي. ومن الضروري التخلي عن طريقة المجاملات، التي يتم على أساسها اختيار المرشحين المحتملين، ولم تعط أدنى اعتبار للكفاءات الحقيقية، أو تحرص على تقديم وجوه شابة، تتناسب مع طبيعة المرحلة المقبلة، وقادرة على مواجهة التحديات، والتي يفتح تجاوزها باقتدار الباب أمام مصر عفية، تتسق مع التضحيات التي تكبدها المواطنون. كما يؤدي الإخفاق إلى أن تبقى، كما يريدها الأعداء والمتآمرون.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
المزيد

 
>>