First Published: 2015-01-02

الرياض - طهران: الحرب النفطية المفترضة!

 

أين المفاجأة في أن تشن السعودية حربا نفطية على إيران التي تشن حروبا على السعودية والمنطقة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

لا بد للحاكم في طهران أن يُخرج للإيرانيين ما يبرر أزمتهم الاقتصادية منذ المجابهة مع العالم في مسألة البرنامج النووي. فإذا ما كانت العقوباتُ الدولية ضريبة "الممانعة" والدفاع عن السيادة، وأمكن تسويقها محلياً، فإن تفاقم الأزمة واهتراء المفاصل الاقتصادية للبلد يستدعي استنفار ما تيسّر من حجج مما يمكن طرحة في الأسواق على عجالة، لعل في ذلك ما يمتصّ احتقاناً شعبياً لم يعدْ من السهل وأده.

الأغلبيةُ التي أتت بالشيخ حسن روحاني رئيساً للجمهورية في إيران، كانت تعكسُ تبرماً عاماً من خيارات دولة ولاية الفقيه في قيادة إيران والإيرانيين حاضراً ومستقبلاً. أراد الإيرانيون منذ انتفاضتهم الشهيرة إثر انتخابات عام 2009، تأكيد هذا النزوع الجمعي نحو تخليص البلد من خطاب حاكم يربط البلد بمشاريع عابرة للحدود، وللقارات، على حساب يوميات المواطن الإيراني ومستقبل بلده. لم يعد الإيرانيون قادرين على ابتلاع هذا التناقض السافر بين أزمتهم المعيشية الداخلية وما يلاحظونه من إنفاق علني واستثمار فاضح في ملفات خارجية لا تبدأ من العراق ولا تنتهي باليمن ولا تمر فقط في لبنان وفلسطين.

يدركُ الإيرانيون جيداً مكمن العّلة ومصدر الداء، وقد أتوا بروحاني رئيساً لأنه وضع في برنامجه، كمرشح، الأصبع على ما يُجمعون أنه الجرح الكبير. ويدركُ الوليّ الفقيه نفس العلّة ونفس الجرح ونفس الداء، وقد بارك بصمت جهد الرئيس ووزير خارجيته في قيادة المفاوضات الشهيرة مع مجموعة الخمسة زائد واحد. الأزمةُ الاقتصادية مرتبطةٌ بالنزاع مع المجتمع الدولي، وزوال الأزمة يستلزمُ تسويةَ هذا النزاع.

يكتشفُ أهل الحكم في إيران، كما أهلُ الحكم في روسيا، أن إنعاش اقتصاداتهم مرتبطٌ بأسعار النفط الدولية، أي متصلٌ بمستويات الطلب مقابل ما هو معروض. بمعنى آخر تمارسُ طهران، كما موسكو، "عربدة" سياسية في العلاقات الدولية، ليس بالاتكال على قوة ذاتية محصّنة، بل على سلعة ريعية شديدة الانكشاف للخارج. بتعبيرٍ آخر تتكلُ إيران، كما روسيا، على تمويل الخارج لممارسة ما من شأنه مناكفة هذا الخارج.

تمكّنت إيران من بسط نفوذها الاقليمي عاماً بعد عام، ومن تمتين الحكم في البلد يوما بعد يوم، ومن التحكم بمفاوضاتها مع العالم موسماً بعد آخر، بالاعتماد على وفرة مالية تؤمّنها السوق النفطية، سواء بالسُبل الشرعية أو التهريب. عن طريق المدخلات النفطية تعايشت طهران بسهولة مع العقوبات، على الرغم من أن البروباغندا الإيرانية لطالما أعادت هذا "التعايش" إلى صمود "أسطوري" ضد "قوى الاستكبار".

تقفُ إيران اليوم أمام حقيقتين عاريتين: العقوباتُ الدولية وانهيارُ اسعار النفط. في ذلك يتحسسُ الحاكم في طهران جسارةَ المؤشرات الاقتصادية، ويتقدم عاجزاً عن اختلاق الترياق، فيذهبُ متسرعاً إلى الردح بالـ "مؤامرة" المغيرة من الخارج.

تجتمعُ تيارات النظام الإيراني في عزف جماعي واحد يُنشدُ ترنيمة المؤامرة. تنطلقُ التصريحات المنددة من أوساط الوليّ الفقيه، كما من قِبل الرئيس الإيراني حسن روحاني نفسه. لم يعدْ الخارجُ المتآمر هو ذلك الذي يتربص بالجمهورية الإسلامية في واشنطن، فتلك تقليعةٌ متقادمةٌ في زمن الوئام المتوخى بين إدارتي أوباما وروحاني. وإذا ما كان من حاجة لخارجٍ يُشتم ولآخر يُلعن فإن ساسة إيران وجدوا في السعودية هدفاً مثالياً لتصويب السهام على هامش خطاب ملتبس ينشدُ نزع الفتنة بين السنّة والشيعة.

إيران دولة عضو في منظمة الاوبك، ولم نسمع منها أي اعتراض على قرار المنظمة في اجتماعها الأخير بالحفاظ على مستويات الإنتاج (30 مليون برميل يوميا)، كما لم نسمع منها أي مطالبة بخفض هذا الانتاج بغية رفع الأسعار، إلا إذا كان المطلوب أن يفعلها الآخرون كرمى لعيون "السيّد" في طهران، ذلك أن إيران (كما دول الاوبك الأخرى) لا تحتمل تقليصاً لحجم انتاجها ما يجرّ خسارة في حصتها في السوق العالمي (المتراجعة أصلاً بسبب العقوبات)، كما في قيمة مواردها. ناهيك عن أن انهيار أسعار النفط من أكثر من مئة دولار للبرميل إلى أقل من 55 هذه الأيام، يُعدُّ قدراً مخيباً ليس لإيران فقط، بل لكل المنتجين للذهب الأسود، سواء داخل المنظمة النفطية أو خارجها.

يعزو خبراء النفط في العالم انهيار أسعاره إلى عوامل تقنية تتعلق بجدلية العرض والطلب ولا يرون أن للظاهرة أي أصول سياسية. تتحدثُ التقارير الدولية عن وفرة في الاحتياطات النفطية في العالم تم اخراجها للسوق وجعله مشبعاً اتساقاً مع توقعات تحدثت عن ارتفاع محتمل في الطلب (ارقام وكالة الطاقة الدولية تتحدث عن حجم طلب يبلغ 92 مليون برميل يوميا هذا العام مقابل انتاج قارب 94 مليونا). بيد أن الوقائع أتت بغير ذلك، لا سيما لجهة انخفاض طلب العديد من المستهلكين الكبار، لا سيما الصين التي لم تستطع هذا العام تحقيق مستوى النمو المستهدف (7.5 بالمئة).

وفيما الخطاب الإيراني يشن الهجمات على الرياض ويحمّلها مسؤولية ذلك، ترى الرياض أنها متصالحة مع نفسها، ومنذ زمن، في ترك أسعار النفط للسوق يحددها وفق قوانينه، كما أنها متضررة بشكل مباشر من تكدر السوق هذه الأيام، ذلك أن برامجها الحكومية في التنمية والانفاق (90 بالمئة من الاقتصاد يعتمد على النفط) بنيت على أساس أسعار نفط عالية، ما سيعمّق العجز في الميزانية وسيربك خططها الاقتصادية في بيئة سياسية اقليمية تحتاج بالنسبة لها إلى توازن اقتصادي داخلي هو شرط اساسي من شروط الاستقرار.

على أن مزاجية السوق لطالما كبّدت الدول المنتجة، لا سيما الخليجية، خسائر كارثية في مفاصل تاريخية ليست بعيدة (في ربيع 1986 وصل سعر البرميل إلى 10 دولار بعد أن وصل الى 32 في نوفمبر 1985، كما وصل في أول 2009 إلى 40 دولاراً بعد أن وصل إلى 147 في يوليو 2008). وإذا ما كان الحظر النفطي الذي فرضته الدول المنتجة إثر حرب عام 1973 يعتبر عاملاً سياسياً في التأثير على مستوى الاسعار صعوداً، فإن انخفاضها الكارثي بعد ذلك وتوازن مستوياتها لاحقاً اعتبر دائماً من قبل الدول المنتجة، بما فيها إيران، تقني يقرره السوق، ولم يصدف أن تحدث أي طرف عن مؤامرة خارجية عن سابق اصرار وتصميم.

يشكو اهل الاوبك من انهم يسيطرون على جزء من السوق النفطي (أقل من الثلث مقابل 50 بالمئة في الثمانينات) ولا يتحكمون بسياسات الانتاج للدول المنتجة من خارج المنظمة. ويشكو أهل الاوبك من أن مستويات الاسعار متّصلة بلا شك بمستويات الطلب، لكنها أيضاً على علاقة بكميات النفط المعروضة من خارج المنظمة (أو ما تسميه السعودية والامارات انتاجا غير مسؤول) والتي قلما تطالها سهام المنتقدين ونادراً ما تؤثر بها خطب "الممانعين".

ما زالت إيران تمتلك وفرة مالية، على الأقل في يد الولي الفقيه، تخوّلها الاستمرار في تمويل امتداداتها الحوثية في اليمن وتلك لدى الحلفاء الشيعة في العراق ولبنان، كما دعمها الاستراتيجي غير المشروط لنظام دمشق، ناهيك عن ذلك المقدم في فلسطين للجهاد وحماس (التي تعيد الوصل مع طهران)، اضافة إلى ميزانيات تصرف على الإعلام وعلى شبكة العلاقات الدولية التي يديرها الحرس الثوري.

يعود الغضب الإيراني من "المؤامرة السعودية" إلى ثابتتين:

الأولى تتعلق بأزمة نظام يتحوّل بصعوبة من راديكالية ثورية يقود تياراً مناكفاً للغرب والولايات المتحدة باتجاه براغماتية تجعله بحالة تحالف - تواطؤ مع "الشيطان الأكبر" في كافة الميادين المشتركة (اليمن افغانستان العراق سوريا لبنان البحرين.. إلخ).

الثانية تتعلق بعقم المحاولات الإيرانية في مقاربة السعودية وتطبيع العلاقات معها وفق الأمر الواقع الإيراني. فالرياض ترفض الاستكانة إلى شبكة النفوذ التي أرستها طهران في المنطقة، وهي تراقب تدخل إيران في ميادين حيوية لأمن المملكة ونظامها السياسي، كما أنها ترفض وتعمل على تعطيل أي صفقة أميركية إيرانية لا تأخذ في الاعتبار مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة.

لكن وبغض النظر عما يراه خبراء النفط من جوانب تقنية تصاحب حال السوق النفطي الراهن، وإذا ما كانت إيران ترى أن في الأمر حرباً سعودية ضدها، فأين المفاجأة، في حال صحتها، في ذلك؟ هل نضيف جديداً إذا ما ذكّرنا أن تلك الحرب موجودة وتتحدر من واقعة قيام الجمهورية الاسلامية؟ هل يجب التذكير بمآلات تصدير الثورة على المنطقة برمتها منذ مواجهات الحج في مكة وصولاً إلى الفائض الحوثي على الحدود السعودية؟ هل من ضرورة للتذكير بتلك الحرب الخبيثة التي تُخاض في لبنان والتي كان أبرز مفاصلها اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي يعتبر رجل السعودية في لبنان فيما المحكمة الدولية الخاصة بالجريمة تتهم خمسة (وربما سادس قريباً) من رجالات إيران في لبنان؟ واللائحة تطول في سوريا والعراق كما في قلب الخليج وقلب السعودية نفسها.

لا دليل على حرب نفطية تخوضها الرياض ضد طهران. السعودية والدول المنتجة لا شك متوجّسة من ذلك النفط الصخري الواعد الذي يهدد منتجهم، وهي بالتالي، رغم تضررها الراهن من هبوط الاسعار، مرتاحة لمآلات ذلك على تأجيل ذلك الاستحقاق في المستقبل البعيد، فالاستثمار في ما هو صخري لا يزدهر إلا على أرضية ارتفاع اسعار النفط الكلاسيكي ويهدده العدم في الهبوط الحالي لتلك الأسعار. لكن إذا ما أرادت طهران الاصرار أن في ذلك حرباً، فقد يجوز الافتراض أنها كذلك، في حرب تستخدم إيران فيها كل ما تيسّر من أسلحة.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
أردوغان في الخليج: في ما هو أبعد من أزمة قطر!
2017-07-21
أزمة الخليج مع قطر: في بقاء مجلس التعاون من اندثاره!
2017-07-17
اللجوء السوري في لبنان: ليس في كل جدل عنصرية
2017-07-14
داعش ينتهي.. إيران تقلق!
2017-07-07
واشنطن لموسكو وطهران: الأمر لنا في سوريا
2017-06-30
ذئاب داعش المنفردة أخفت ذئبا بريطانياً وراءها!
2017-06-23
هل بات مسموحا استقلال الأكراد عن العراق؟
2017-06-16
قانون الانتخابات في لبنان: كيف التحوّل من بلد إلى بلدية؟
2017-06-09
الإرهاب في لندن: مراجعات بريطانيا المعلنة ومراجعات المسلمين المتأخرة!
2017-06-06
خطط سوريا المستقبل: أي دور جديد للأردن؟
2017-06-02
المزيد

 
>>