First Published: 2015-01-09

فلسطين جزء من العجز الأميركي في المنطقة

 

ليس بمثل السياسة الأميركية التي تطمئن اسرائيل إلى أن في استطاعتها متابعة الاستيطان في الضفة الغربية المحتلّة، يمكن محاربة 'داعش'.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

مهما حاولت الولايات المتحدة اصلاح موقفها من التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين بغية الظهور في مظهر الوسيط المحايد، فإن الضرر قد حصل. تبيّن بكل بساطة أن ادارة اوباما تخشى اسرائيل ولا يمكن أن تمارس أي نوع من الضغوط عليها عندما يتعلّق الأمر بالأساسيات. وكلمة الأساسيات تعني أوّل ما تعني الانتهاء من الاحتلال.

من هذا المنطلق، لم يكن الاعتراض الإميركي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على مشروع القرار العربي في شأن وضع حدّ للاحتلال الإسرائيلي مفاجأة. يعكس الموقف الأميركي الضعف المزمن الذي تعاني منه ادارة باراك اوباما عندما يتعلّق الأمر باسرائيل.

كذلك، يعكس شبه الفيتو الأميركي، الذي لم تكن الإدارة في حاجة إلى استخدامه، العجز عن أن تكون هناك مقاربة أميركية شاملة لمشاكل الشرق الأوسط وأزماته. هذا الشرق الذي يعاني من "داعش" السنّية والدواعش الشيعية التي شجّعت على قيامها السياسة التوسّعية لإيران. إنّها تلك السياسة التي قامت على الاستثمار في الغرائز المذهبية في المنطقة الممتدة من المحيط إلى الخليج وصولا إلى اليمن الذي يشهد حاليا عملية مبرمجة تصبّ في الانتهاء من مؤسسات الدولة عن طريق تدميرها، أو على الأصحّ القضاء على ما بقي منها...

جاء الموقف الأميركي في سياق التراجع المستمر الذي يصب في مصلحة سياسة اسرائيلية تراهن على عامل الوقت من أجل تكريس الاحتلال لجزء من الضفّة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. كان أفضل تعبير عن هذه السياسة ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل اسحق شامير عندما اضطرّ إلى المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام اواخر العام 1991.

شكّل المؤتمر وقتذاك المحاولة الجدّية الأولى لربط مشاكل الشرق الأوسط ببعضها البعض والخروج بتسوية شاملة في ما يخصّ القضية الفلسطينية والإحتلال الإسرائيلي للجولان. قال شامير، في سياق تفسير اضطراره للمجيء إلى العاصمة الإسبانية، أن اسرائيل ستفاوض لعشر سنوات من أجل تمرير الوقت وفرض واقع جديد على الأرض.

بعد ثلاثة وعشرين عاما وبضعة اشهر على مؤتمر مدريد، لم يتغيّر شيء في السياسة الإسرائيلية. حلّ بنيامين نتانياهو على رأس الحكومة الإسرائيلية. كان نتانياهو في 1991 الناطق باسم الوفد الإسرائيلي في مؤتمر مدريد الذي انعقد برعاية اميركية ـ سوفياتية بحضور الرئيس جورج بوش الأب والزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف الذي كانت امبراطوريته على شفا الإنهيار.

يؤمن نتانياهو مثله مثل شامير بأنّ هناك شيئا اسمه التفاوض من أجل التفاوض. هناك تفاوض وهناك على الأرض متابعة لعملية بناء المستوطنات من أجل فرض الإحتلال وتكريسه.

ما تغيّر أن ادارة بوش الأب حاولت قطع الطريق على هذه السياسة الإسرائيلية ودفعت ثمنا لذلك. فشل بوش في الحصول على ولاية رئاسية ثانية بعدما حاربته اسرائيل داخل الولايات المتحدة نفسها. أمّا باراك اوباما، فقد استسلم سريعا لنتانياهو، خصوصا عندما اكتشف أنّ في استطاعة رئيس الوزراء الإسرائيلي تحدّيه في الكونغرس.

لا يمكن القاء كلّ اللوم على ادارة اوباما التي تفضّل التفرّج من بعيد على ما يدور في الشرق الأوسط متجاهلة أنّ الحرب على "داعش" لا تخاض عن طريق مراعاة النظام السوري الذي يذبح شعبه يوميا من جهة والسكوت عن الدواعش الشيعية من جهة أخرى.

لا شكّ أنّ الموقف الفلسطيني ضعيف وأنّه يعاني من الانقسام القائم بين الضفّة الغربية وغزّة. لا شكّ أيضا أن القضية الفلسطينية تراجعت عربيا وإقليميا. لم يستطع المشروع العربي الحصول على الأصوات التسعة اللازمة في مجلس الأمن من أجل تمريره، في حال قرّرت الإدارة الأميركية تفادي اللجوء إلى الفيتو. هناك دولتان افريقيتان، هما نيجيريا ورواندا، امتنعتا عن التصويت. في الماضي كان الموقف العربي يحظى دائما بدعم افريقي قوي، خصوصا من دولة مثل نيجيريا.

تغيّر العالم. ولّت تلك الأيام التي قطعت فيها معظم الدول الإفريقية العلاقات مع اسرائيل تضامنا مع ما كان يعتبره العرب قضيّتهم الأولى.

لعلّ أكثر ما يثير القلق أن الموقف الأميركي الرافض لوضع جدول زمني لإنهاء الاحتلال يعني امرين. الأوّل أن واشنطن انضمّت إلى الموقف الإسرائيلي القائم على التفاوض من أجل التفاوض من دون مرجعية واضحة لعملية السلام. أمّا الأمر الثاني فهو يتمثّل في العجز عن استيعاب أنّ الظلم اللاحق بالفلسطينيين يساعد في تعزيز التطرّف في الشرق الأوسط... وهذا ما نبّه له وما زال ينبّه له منذ سنوات، وفي كلّ مناسبة، الملك عبدالله الثاني. نبّه العاهل الأردني إلى ذلك منذ ما قبل وصول أوباما إلى البيت الأبيض محذّرا من داخل الكونغرس من خطورة تجاهل القضية الفلسطينية وانعكاس ذلك على الاستقرار في الشرق الأوسط كلّه.

ليس بمثل هذه السياسة الأميركية التي تطمئن اسرائيل إلى أن في استطاعتها متابعة الاستيطان في الضفة الغربية المحتلّة، يمكن محاربة "داعش". من يشكو من "داعش" السنّية لا يتجاهل الدواعش الشيعية التي تقاتل إلى جانب النظام السوري الذي يذبح شعبه، من منطلق مذهبي. هذه الدواعش تقاتل أيضا في مناطق عراقية معيّنة، مثل بعض احياء بغداد، من أجل طرد من بقي من السنّة. وصل الأمر أخيرا بقتل رجال دين في البصرة بغية الانتهاء من الوجود السنّي في المدينة. الغريب في الأمر أن لا ردّ فعل اميركيا على كلّ هذه الممارسات. ولّد الموقف الأميركي شعرا بأنّ الجرائم التي ترتكب في العراق في حقّ السنّة، إنّما ترتكب على كوكب آخر!

من يشكو من "داعش" لا يقبل استمرار الإحتلال الإسرائيلي للضفّة الغربية، بل يعمل على تثبيت مرجعية السلام، اي حدود 1967.

هل انضمت اميركا ـ اوباما إلى اسرائيل في اعتبار الضفّة الغربية "ارضا متنازعا عليها" وليست ارضا محتلّة، كما تؤكّد قرارات الشرعية الدولية؟

يبدو الأمر كذلك، لا لشيء سوى لأنّ واشنطن ترفض الإجابة عن سؤال واضح كلّ الوضوح: هل هي مع استمرار الاحتلال أم مع الانتهاء منه وذلك بغض النظر عن الضعف الفلسطيني الذي يكشفه اصرار "حماس" على تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني نحو الأسوأ بدل المساهمة في الجهود الهادفة إلى الانتهاء من الاحتلال؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ايران والكلام الاميركي السليم والجميل
2017-10-23
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
المزيد

 
>>