First Published: 2015-01-09

حرب الملوك المستنيرين ضد الفقهاء الظلاميين

 

الفزع العالمي من الارهاب صار يشكل ضغطا على الجميع إلى درجة أن السعودية تفكر بإعادة التفكير بتحالفاتها في المنطقة والتركيز على الإرهاب تحديدا فقد أصبح الخطر الأول على الجميع.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

من الواضح أن المتطرفين يمارسون نوعا من الترهيب للدول المجاورة. السعودية مثلا تشارك مع التحالف في عمليات القصف للمتطرفين ليعقب ذلك مذبحة الدالوة بالأحساء. وحين تعلن المملكة عن انفتاح مع الحكومة العراقية وفتح سفارتها ببغداد، نرى الدواعش يهاجمون مخفرا على حدود عرعر ويقتلون شرطيين سعوديين.

الأمر نفسه حدث مع فرنسا فور إعلانها عن إرسال حاملة الطائرات شارل ديغول لتعزيز حربها على الدولة الإسلامية، نلاحظ في اليوم التالي خبر هجوم إرهابي وحشي على جريدة شارل إيبدو التي نشرت رسومات ساخرة للنبي محمد، ومقتل 12 صحافيا بينهم أربعة رسامين كاريكاتير.

هذا الفزع العالمي أخذ يشكل ضغطا على الجميع إلى درجة أن المملكة تفكر بإعادة التفكير بتحالفاتها في المنطقة والتركيز على الإرهاب تحديدا فقد أصبح الخطر الأول على الجميع.

مع رفض الولايات المتحدة إرسال قوات برية، وعدم فعالية القصف من الجو، وبعد كل هذه المليارات التي تم إنفاقها على الجنرال عبدالفتاح السيسي يبرز السؤال المهم اليوم، هل يمكن لعبدالفتاح السيسي أن يكون خلفا لصدام حسين؟ فهو يكرر استعداده لحماية الخليج و"مسافة السكة" من الكويت.

هل يمكن للجيش المصري أن يتولى مهمات قتالية في الخليج والجزيرة بدعم عربي؟ هل يمكن لعبدالفتاح السيسي منافسة الجنرال الإيراني قاسم سليماني في الحرب البرية على الدولة الإسلامية؟ خصوصا نحن أمام توقعات بتوسع جبهة هذه الحرب في ليبيا، والخليج، ومصر نفسها إضافة إلى سوريا والعراق؟

على الجيش المصري أن يدخل حربا حقيقة ما. فالسيد غالب الشابندر كتب مرة بأن الهلال الشيعي هو هلال قتالي حيث الميليشيا العراقية، وحزب الله، والحوثيون، والحرس الثوري الإيراني، والجيش السوري كلها جيوش مدربة، وتخوض حروبا، حقيقية ويمتلكون خبرات واقعية، بينما في الجانب السني لا توجد خبرات إلا عند الجهاديين والإرهابيين. هذا يجب أن يتغير بدخول الجيش المصري في اشتباكات، وتكبده شهداء، وتحقيقه بطولات مقابل هذه المليارات والدعم. وكان الرئيس صدام حسين حين يقبض المليارات يسمع العالم كله في اليوم التالي ما يصنعه جيشه بتلك المليارات من ملاحم في الحرب العراقية الإيرانية.

ربما يحتاج السيسي إلى عسكرة المجتمع المصري في المستقبل. هذه العسكرة بطبيعة الحال تحتاج إلى سياسة صارمة وقبضة حديدية. فالأجواء الحربية كما هو معروف لا تمتلك هوامش ديمقراطية وتسامح كأجواء السلام.

الأجواء الحربية يبدو وكأنها تعم المنطقة كلها من الآن، فالنيابة العامة الكويتية مثلا أمرت بحبس النائب الكويتي السابق صالح الملا بعد توقيفه مساء الثلاثاء بسبب تغريدات عبر تويتر تسخر من الرئيس المصري. وهذه إجراءات لم تتخذ الكويت مثلها إلا بحق الساخرين من الرئيس العراقي ثمانينات القرن الماضي .

هل يستعد الرئيس السيسي ليكون شرطي الخليج؟ وهل تسمح له واشنطن بذلك؟ هل يمكن عقد صفقة مع الجانب الإيراني للمشاركة في هذه الحرب الواسعة؟ أم يبقى الجانب الإيراني طرفا غير مرغوب فيه؟

هل سيكون الجيش المصري في مواجهة مع الجيش التركي؟ يبدو أن الحرب ستكون على الإخوان والإرهاب والمتطرفين عموما، وقد تمتد هذه الجبهة من المغرب، إلى ليبيا، وحتى سوريا، والجزيرة، والعراق.

الرئيس السيسي قال بأنه لا يخطط لأن يكون قائدا للأمة العربية كما كان عبدالناصر وصدام حسين، بل هو يضع جيشه وجنوده في خدمة الدول العربية وخصوصا الخليجية. نحن نعيش مرحلة تحول والقادم سيكون سلة من المفاجآت.

الحكومة السعودية تشعر بمرارة من استعداد الإسلاميين للغدر، سواء أكانوا من الإخوان المسلمين أو من الجهاديين السلفيين الذين يسميهم الغرب بـ "الوهابيين". تعلم الحكومة السعودية بأن الجهاديين قسموا السلفيين في المملكة إلى فريقين. الفريق الأول هو المخلص لبلاده وللملك، بينما الفريق الثاني هو ذلك الذي يحتفظ بالتفسيرات والعقائد المتطرفة التي تكره الأجانب، وتكفر الناس ولا تعترف بالوطن بل الأمة هي مفهومها الواسع الوحيد للإنتماء الديني.

عقود طويلة من العلاقات الخارجية والعمل الإقليمي والدولي استطاعت السعودية فيه بناء سمعة طيبة واستثمارات واسعة للبلاد. لكن ذلك كله يتعرض اليوم للخطر بسبب غدر المتطرفين ونكرانهم للجميل.

منذ عام 1979 حين قفز موظف في الحرس الوطني السعودي يدعى جهيمان العتيبي مع مجموعة ضالة تابعة له على الحرم المكي وادعاء ظهور المهدي، انكشف أمام الحكومة خطورة التفسيرات الشخصية للقرآن والأحاديث والعزلة النفسية لبعض المتطرفين الذين يمكن أن يعرضوا بلادهم لأخطار عظيمة.

لم تفهم الحكومة السعودية مثلا سبب وقوف بعض المتطرفين والجهاديين ضد بلادهم أثناء حرب الخليج وتحرير الكويت، فقد كان النظام العراقي يزج بالسلفيين في السجون ويذلهم أبشع إذلال. مع هذا وقفوا ضد الإستعانة بالقوات الحليفة، خصوصا الأميركية.

كما أصيبت المصالح والعلاقات السعودية الأميركية بأضرار كبيرة بعد حادث الحادي عشر من سبتمبر 2001. لم تستطع الحكومة أن تفسر وجود خمسة عشر مواطنا سعوديا بين التسعة عشر شخصا الذين شاركوا في خطف الطائرات الأميركية وتفجيرها بمراكز حساسة هناك.

و كذلك كان محرجا للحكومة تفسير الدعم المالي القادم من السعودية لمتطرفين حول العالم من بينهم الملياردير السعودي أسامة بن لادن.

جهود طويلة بذلتها المملكة لإنقاذ سمعة بلادها وحياة مواطنيها من تداعيات أزمة بهذا الحجم. مع هذا أبقت المملكة الباب مفتوحا للتوبة، والمناصحة، والإصلاح، والسلام لجميع المتطرفين.

بعد أزمة داعش وسيطرة الدولة الإسلامية على مساحات واسعة في العراق وسوريا بحجم المملكة المتحدة أصبح الموقف السياسي يميل أكثر إلى كفة الأمراء النافذين الذين يؤيدون التخلص من نفوذ السلفيين المتغلغلين في القضاء والتعليم والإعتماد أكثر فأكثر على المتعلمين في الخارج والليبراليين.

المملكة اليوم تعتمد أكثر على دولة الإمارات كسفارة حضارية لسياستها بسبب المتشددين الإسلاميين الذين يمنعونها من التقدم واللحاق بالإمارات مثلا. جهود كبيرة بذلتها الحكومة السعودية لتعليم الفتيات ضد المتشددين، ولا زالت قضية قيادة المرأة للسيارة من الأمور المعلقة في البلاد.

في ملف حقوق الإنسان أحرج المطاوعة الحكومة السعودية في أكثر من مناسبة، وكان أكبرها حين دب حريق بمدرسة بنات ثانوية بمكة. 31 فتاة هربن للنجاة لكن المطاوعة وقفوا عند الباب ومنعوا البنات من الخروج دون ارتداء الحجاب الكامل مما أدى إلى احتراق 14 طالبة.

هذه العقول المنغلقة والمتحجرة أثارت غضب الملك شخصيا في أكثر من مناسبة، لأنهم يشوهون صورة البلاد التي يسعى الملك والأمراء ليلا نهارا لتحسين سمعتها بين دول العالم المتحضر.

المملكة كما يبدو تفكر جديا بالإستعانة بالجيش المصري بعد قدراتها الذاتية، وتأجيل الصراع مع الأطماع الإيرانية في المنطقة بنوع من الهدنة، والتركيز على خطر الدولة الإسلامية والدواعش والمتطرفين داخل الخليج والمملكة وخارجها في العراق وسوريا. هناك حرب كبرى قادمة ضد الإرهاب هي حرب الملوك المستنيرين ضد الفقهاء الظلاميين.

المشكلة الوحيدة هي إيران، فهل حقاً ستسمح للخليج بإدارة هذا الصراع بطريقة تؤدي إلى التخلص من الإرهاب دون إثارة تعقيدات تجعل من القضاء على التطرف أمرا مستحيلا؟

هل تسمح إيران حقاً بتطبيع العلاقات مع العبادي دون أزمة تنسف هذه الجهود من أساسها؟ هل تسمح إيران باستبدال الرئيس بشار الأسد برئيس علوي معتدل كما حدث مع المالكي وإنهاء نزيف الدم؟ يبدو أن إيران تعرف ما هو مطلوب منها لكن السؤال المهم هل ستتعاون؟ وما هي شروطها؟

 

أسعد البصري

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المطرب حسين نعمة واجتثاث البعث
2017-04-01
بعد خطبة النهاية الداعشية، على سنة العراق تقديم قيادات مقبولة
2017-03-23
الطائفية الثقافية في العراق
2017-03-03
ماذا عن سنة العراق لو تمت المصالحة بين السعودية وايران؟
2017-02-06
الخميني وشعار الموت لإسرائيل
2017-02-02
هل ظلمنا الرئيس عبدالفتاح السيسي؟
2017-01-03
دونالد ترامب، أو غضب الرجل الأبيض
2016-11-23
المزيد

 
>>