First Published: 2015-01-09

لن يكون العرب المسلمون أقلية مطاردة. شكرا فرنسا

 

فرنسا، بالرغم من خسارتها العظيمة، نجحت في أن تخرج من الصدمة حين قفزت على المنطق التبسيطي الذي غالبا ما يوزع الآخرين بين صديق وعدو.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

في الحالة الفرنسية سيكون من الصعب الحديث عن ما قبل شارلي أيبدو وما بعدها كما حدث بالنسبة للولايات المتحدة بعد احداث 11 سبتمبر. ففرنسا ليست مستعدة أصلا لمثل ذلك النوع من الانتقال المأساوي.

ففي أسوأ حالاتها السياسية فان فرنسا وقد تعلمت من حقبتها الاستعمارية دروسا كثيرة ستكون حريصة على أن لا تكون ضربة شارلي أيبدو مقياسا عاما للحكم على الآخرين بغض النظر عن دين وقومية منفذي الهجوم الاجرامي.

لن تسمح فرنسا لنفسها في الانجرار وراء انفعال شعبوي، بل أثبتت بعد ساعات من وقوع الجريمة قدرتها الفائقة على ضبط ذلك الانفعال والحد من تداعياته وممارسة الرقابة الصارمة عليه.

وسائل الاعلام الفرنسية ومن ضمنها الصحافة كانت حريصة على أن لا تضخم من الإشارات الدينية، بالرغم مما قيل من أن منفذي الجريمة كانوا قد رددوا جملة تشي بدوافعهم من جهة كونها دوافع دينية. وهو ما أشك فيه، لا لأن المهاجمين لم يرددوا تلك الجملة، بل لأن أصرارهم على أن يعلنوا عن تلك الدوافع يوحي برغبتهم في جر السلطات إلى موقع عنصري، تكون فيه محرجة أمام قيم ومبادئ الجمهورية الفرنسية التي تقوم على أساس علماني.

فرنسا ليست الولايات المتحدة، وهي إذ تساهم في الحرب على الارهاب فإن مساهمتها تلك لم ولن تكون موجهة ضد دين بعينه، بل ضد جماعات ارهابية، شاء حظ الاسلام السيء أن تتسر به وتستعرض من خلال شعاراته فنونها في الشر.

تدرك فرنسا وقد فاق عدد مواطنيها المسلمين الاربعة مليون نسمة أن المسلمين هم أكثر الجماعات البشرية تضررا بسبب انتشار ونمو الجماعات الارهابية. فها هو العالم العربي، من الشرق الاوسط حتى دول شمال أفريقيا يعيش على وقع الضربات الارهابية التي تفوق في عنفها وقسوتها والآثار المدمرة التي تترتب عليها جريمة شارلي أيبدو، من غير أن تمتد يد حقيقة لنجدته وإخراجه من نفق الارهاب المظلم الذي تقول كل التوقعات إنه سيكون طويلا.

فالولايات المتحدة حين تتحدث عن 5000 قنبلة القاها طياروها على تجمعات تنظيم داعش في سوريا والعراق من غير أن نرى أثرا ملموسا على الأرض يؤكد انحسار هيمنة ذلك التنظيم، فإن ذلك يعني أن الحرب العالمية على الارهاب إن استمرت على هذا المنحى ستؤدي إلى الحاق الأذى بسكان المناطق التي يحتلها داعش قبل أن تلحق بالتنظيم نفسه الأذى.

معادلة تنظر إليها فرنسا من خلال منظور أخلاقي صارم.

فالارهاب الذي لن يكون بالضرورة اختراعا عربيا أو اسلاميا صار العرب والمسلمون هم أكثر الضحايا تعرضا لشروره، فهل يعقل أن يدفعوا ثمنه اينما حل؟

كما أرى فإن فرنسا، بالرغم من خسارتها العظيمة نجحت في أن تخرج من الصدمة، حين قفزت على المنطق التبسيطي الذي غالبا ما يوزع الآخرين بين صديق وعدو، وهو المنطق الذي أرسى الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الابن قواعده على أساس عنصري لا يبتعد كثيرا عن الاساس الذي تعتمده جماعات الإسلام السياسي، وهي الجماعات التي استبدلت الولايات المتحدة هدف تدميرها بما الحقته من دمار شامل بإفغانستان والعراق.

بعد جريمة شارلي أيبدو لن يكون مفاجئا أن لا تغير فرنسا سياستها القانونية إزاء مواطنيها من العرب والمسلمين. فهم فرنسيون أصلاء أمام القانون الذي يحفظ لهم حقوقهم وسبل العيش الحر الكريم. وهو ما سيكون عليه سلوك جميع الدول الاوروبية. لا لأن تلك الدول تريد أن تقدم درسا تاريخيا في التسامح، بل لأنها حريصة على حقيقتها المتجذرة في العدالة الاجتماعية.

بعد كل هذا يمكنني القول إن فرنسا أفشلت الهدف الاساس لجريمة شارلي أبيدو. فالعرب المسلمون لن يكونوا أقلية مطاردة. شكرا فرنسا.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
قطر في حلها وترحالها
2017-07-17
ملايين نازحة وأخرى صامتة والجريمة مستمرة
2017-07-16
عرس عراقي في جنازة الموصل
2017-07-15
كارثة الموصل أسوأ من كارثة الاحتلال
2017-07-13
المغامرة القطرية وقد انتهت إلى العزلة
2017-07-12
نصر ناقص وهزيمة كاملة
2017-07-11
الربيع العربي بنسخته القطرية
2017-07-10
المزيد

 
>>