First Published: 2015-01-09

الخبر الصحفي عندما يصبح ثلجا لا يذوب

 

من النكبات الإعلامية ان تروج وكالة أنباء دولية معلومة خاطئة، والأنكى أن تستقبلها مواقع وصحف 'مرموقة' وتنشرها كما هي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

الصورة تغني عن الخبر!

يحمّل صحفي ومراسل بريطاني مثل باتريك كوكبيرن وسائل الإعلام مسؤولية صناعة “المفاهيم الخاطئة”، في اعتراف مثير يكون جزءا من هذه الصناعة، مثلما أكون أنا جزءا آخر في تناولي للفكرة من أصلها، ونثير معا سؤالا عن المسؤولية العالية والمهنية بمجرد وجود معلومة خاطئة ترسل للجمهور، سواء كان ذلك بوعي أم عن جهل.

وسيصبح الأمر من النكبات الإعلامية عندما تروج وكالة أنباء دولية معلومة خاطئة، والأنكى أن تستقبلها مواقع وصحف “مرموقة” وتنشرها كما هي.

بالأمس بثت وكالة الأنباء الألمانية خبرا لم يوضع تحت مجهر محرر الديسك، ومرر كما هو عبر ترجمة افتقرت للحس المعلوماتي، فلا يكفي أن يترجم الصحفي خبرا دون أن يعرف ثيمته ودلالته.

الخبر وفق الوكالة الألمانية التي غالبا ما تبث أخبارا تفتقر إلى الحساسية المهنية يقول إن “المذيع البريطاني ستفين فراي يعلن عزمه الزواج من شريكته إليوت سبنسر”، ويتحدث عن أنه سوف يتزوج “شريكته” “الكاتبة” إليوت سبنسر، ويعرب عن سعادته لزواجه “منها”.

وفي حقيقة الأمر ليس ثمة شريكة ولا كاتبة ولا أنثى في الخبر، فإليوت سبنسر هو شاب وليس امرأة، وستيفن فراي هو مَثَلي!

والزواج سيتم بين رجل ورجل، وهذا ما لم يذكره الخبر في الوكالة الألمانية، مثلما لم يشر إلى دلالة أن يتزوج كوميدي ووجه تلفزيوني يقترب عمره من الستينات من شاب في العشرينات. واكتفت بنشر خبر عن زواج محبين.

هل سنتعامل مع الخبر بصفته ترجمة مجردة، أم صناعة رأي إخبارية تتحملها وكالة أنباء دولية تبث بأكثر من لغة؟

لا يبدو الأمر مجرد هفوة، بل ثغرة معلوماتية مريعة عندما تناط صناعة الإخبار بـ”محرر” لا يعي دلالة العمل في غرفة الأخبار.

بعد ذلك سنحتاج إلى جرد بسيط عن عدد الصحف والمواقع الإلكترونية التي استقبلت الخبر كما هو ونشرته بصفتها مشتركا مع الوكالة الألمانية وتنشر ما يصلها من مضمون كما هو، عندها تتراكم لدينا الأسئلة، فلن تكون وكالة الأنباء الألمانية وحدها صانعة محتوى غير صحيح، فثمة صحف ومواقع نقلت هذا المحتوى الخاطئ وأسهمت في صناعة رأي خاطئ لدى الجمهور عبر بث معلومة خاطئة.

قبل سنوات أقدمت مجلة “كوميونيكيت” التي تصدر باللغة الإنكليزية من دبي على إرسال بيان صحفي مفبرك باللغتين العربية والإنكليزية إلى مجموعة من الصحف ومواقع الإنترنت حول عزم شركة أميركيـة بناء مصنع لثـلج لا يذوب أبدا.

وقالت المجلة إن ثلاث صحف نشرت الخبر في اليوم التالي حرفيا دون تحر، كما نشره موقع للأخبار الاقتصادية على الإنترنت، ولم تنطل الخدعة على صحيفة واحدة فقط تصدر بالإنكليزية من دبي.

وحمل البيان الصحفي المفبرك رقما هاتفيا تحت تصرف الصحفيين للتحري عن مزيد من المعلومات عن المصنع والثلج الذي لا يذوب والذي اخترعت المجلة له اسما مبهراً هو “البايكريت”.

ووفقا للمجلة فقد اتصل صحفي من جريدة يومية عربية يسأل عن تكلفة المصنع، فيما طلب محرر في موقع إخباري على الإنترنت إرسال شعار الشركة الأميركية لنشره إلى جانب الخبر!

إذا كانت صحفنا ستسقط في اختبارات مستمرة مثل “إليوت البنت” وثلج “البايكريت” الذي لا يذوب فإنها بحاجة إلى مراجعة أعمق بكثير مما ينتظره القارئ منها.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
السياسيون لم يعودوا من المشاهير
2017-07-26
مشهد واقعي لأخبار مزيفة في عصر ما بعد الحقيقة
2017-07-23
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
التلفزيون مريض ينشر العدوى بين المشاهدين
2017-07-09
شهر من الكسل
2017-07-04
بين أن نصنع أفكارا أو نكرر ما يقوله الآخرون
2017-07-02
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
المزيد

 
>>