First Published: 2015-01-15

فرنسا تدخل عين عاصفة الإرهاب

 

هذا العمل الإرهابي سيترك آثاره المدمرة على الوعي والسلوك الفرنسي المعروف بالتسامح تجاه الغير.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. خليل حسين

ليست سابقة أن يضرب الإرهاب عاصمة أوروبية، إنما ما شهدته باريس مؤخرا يشكل سابقة فرنسية لم تشهدها منذ الحرب العالمية الثانية، قياسا على نوعية الهدف الذي تم اختياره، ومكانه وكيفية تنفيذه، ونتائجه المحتملة على الصعيدين الداخلي والخارجي.

فالمكان المستهدف هو صحيفة كاريكاتورية في قلب العاصمة، سبق وان كان لها باع طويل في نشر صور مستفزة للإسلام والمسلمين، الذين يصل تعدادهم إلى ستة ملايين من 65 مليون فرنسي، ويعتبرون اكبر جالية في فرنسا، الأمر الذي يشكل حالة متميزة في الاستثمار السياسي الداخلي والخارجي في سياق تحفيز النزعة العنصرية المتنامية ضد المسلمين في غير دولة غربية. وعلى الرغم من أن اختيار الهدف ليس جديدا في سياق عمل الإرهابيين في غير دولة أوروبية، إذ جرت أعمال مماثلة لوسائل إعلامية أخرى خارج فرنسا، إلا أن اختيار هذه الصحيفة الفرنسية بالذات له دلالات واضحة لجهة ربط مواقف السياسات الفرنسية وبخاصة العربية منها، وما يجري في بعض بلدانها، لتصوير الحدث وكأنه رد فعل على اشتراك فرنسا مثلا في المجموعة الدولية لمكافحة الإرهاب وفقا للقرار 2170؛ لكن وان كان هذا العمل غير مبرر ومدان في المبدأ، فان تداعياته الأولى والأخيرة ستصب على المسلمين تحديدا، وبالتالي هم الفئة الأكثر تضررا، وأعداءهم هم المستفيدون من ردات الفعل المحتملة.

كما أن السوابق المماثلة تمت بوضع عبوات أو قنابل، ، بخلاف هذه العملية التي كان القصد منها، ليس الاعتراض على سياسة فرنسية محددة، بقدر ما هو نشر الرعب والذعر في المجتمع الفرنسي، الشديد الحذر في سلوكه الاجتماعي والسياسي، فهي عملية قصد الإرهابيون تنفيذها وكأنها تتم مباشرة ببثها على الهواء، وهي صور تضاعف الذعر والإحساس بالاستهداف الشخصي للفرنسي ولأمته في آن معا، وهي أسوأ الصور التي تحاول المجموعات الإرهابية القيام بها نظرا لآثارها المرعبة التي يمكن لصقها في الذاكرة الجمعية للمجتمع الفرنسي.

طبعا في أطياف المجتمع الفرنسي، ثمة نقاش حاد حول السياسات الفرنسية من قضية "الجهاديين الفرنسيين"، الذين يتم تسهيل خروجهم من فرنسا إلى بعض الدول العربية التي تشهد صراعات داخلية ومن بينها سوريا، وثمة رأي شائع، أن هذا السلوك في التعامل مع مثل تلك القضايا أمر سيرتد سلبا على المجتمع الفرنسي أولا وأخيرا، باعتباره هروبا من المشكلة وليس محاولة لإيجاد حل لها. فعلى الرغم من صدور القانون الفرنسي لمكافحة الإرهاب والتعاطي مع تلك الجماعات الإرهابية، إلا أن آليات تطبيقه والتعاطي مع نتائجه لم تكن بالمستوى المطلوب فرنسيا، فهناك أسئلة مبررة وحرجة في آن معا توجه للسياسات الفرنسية، من بينها كيف يمكن التوفيق بين السياسات الفرنسية التي تحارب الإرهاب في مالي مثلا، وتغض الطرف قصدا أو عرضا عن الجماعات الإرهابية التي تخرج منها إلى سوريا مثلا.

هذا الأمر، لا يجد إجابات مقنعة لدى الفرنسيين، بل يترك حالات وصور استفزازية ذات طبيعة عنصرية ضد المسلمين. بل أن التدقيق في نوعية بعض ردود الفعل والمواقف، تظهر وجها آخرا من عنصرية أخرى، متعلقة بالهوية الفرنسية؛ فبعد تزايد الأصوات والمطالب حول مزاحمة بعض الجاليات ومنها المسلمة في فرنسا على بعض الأعمال، وانتشار البطالة وتزايد الهجرة الوافدة، عززت من منسوب الشعور الشوفيني الفرنسي، وهو ما يهدد بمظاهر أكثر حدة في سلوك الفرنسيين؛ وهو أمر سبق واستعملته كل من النازية في ألمانيا وقبلها الفاشية في ايطاليا، اللذان يعتبران من بين الأسباب الرئيسة لنشوب الحرب العالمية الثانية.

وكما أن آثار هذا العمل الإرهابي سيترك آثاره المدمرة على الوعي والسلوك الفرنسي المعروف بالتسامح تجاه الغير، فان آثاره ستمتد إلى الداخل الفرنسي من خلال سياسات يمكن أن تتبع لاحقا، وهي التشدد في مسائل الحريات العامة وتشديد الرقابة ومضاعفة العقوبات، الأمر الذي سيعيد المجتمع الفرنسي إلى أجواء الرعب والإرهاب الذي انتشر بعيد الثورة الفرنسية وبخاصة العام 1793 وما تلاه من أعمال تنكيل وقتل وإعدام لكل من يشتبه بمواقفه من الثورة ولو كانت غير واقعية.

بأي حال من الأحوال، يعتبر هذا الفعل من الأفعال المدانة والتي ينبغي توجيه ضربات قاصمة لمن نفذها. على أن الحلول الموضعية لا تجدي نفعا بمواجهة أفعال ذات طبيعة إرهابية عالمية، بل تتطلب إعادة تقييم لسياسات حادت عنها فرنسا منذ زمن طويل، فأين فرنسا الديغولية مثلا من قضايا العرب والمسلمين وكل الشعوب المقهورة، الم تكن فرنسا يومها مرتعا لكل راغب في تنفس الحرية؟ ألم تكن باريس محجة العرب والمسلمين؟ الم تكن باريس هي من احتضنت مفجر الثورة الإسلامية في إيران؟ يبدو أن باريس بحاجة لقراءة جديدة تعيد لها وجهها المضيء لمساندة حركات التحرر، وأيضا لمحاربة الجماعات الإرهابية التي تدعي زورا انتفاضتها ضد الظلم والاضطهاد في غير بلد عربي.

 

د. خليل حسين

استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

 
د. خليل حسين
 
أرشيف الكاتب
تحديات قمم ترامب في الشرق الأوسط
2017-05-27
الاتحاد والمملكة غير المتحدة
2017-04-05
خلفيات التوتر التركي الأوروبي وتداعياته
2017-03-21
دلالات الفيتو المزدوج في مجلس الأمن
2017-03-05
إلى أين بحل الدولتين؟
2017-02-20
حدود التوتر الأميركي الإيراني وآفاقه
2017-02-19
ديموقراطية أميركا وشوفينية ترامب
2017-01-30
مؤتمر أستانة محطة عابرة في الأزمة السورية
2017-01-23
إسرائيل ومعاقبة الأمم المتحدة
2017-01-19
روسيا وعقيدة بوتين المجدّدة
2017-01-12
المزيد

 
>>