First Published: 2015-01-17

حدث باريس: نحن والآخر منطقان لا يلتقيان!

 

تفرجُ جريمة باريس عن حجم الهوة الكبيرة التي تفصل عالمنا عن عالمهم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

في تمرين التذكير بالرسوم المسيئة التي سبق أن نشرتها صحيفة شارلي ابدو الفرنسية بحثٌ عن أعذارللجريمة المقززة التي ارتكبت بحقّ هيئة التحرير في الصحيفة أثناء اجتماعه الاسبوعي. فنشر كاريكاتور يطالُ الدين الاسلامي ورموزه يُردُ عليه بشكل "طبيعي" (وفق تقليعات الراهن) بمجزرة على منوال ما هو معمولٌ به في نواحي منطقتنا. أما أن تسخر الصحيفة (وهي الصحيفة الساخرة) من المسيحيين واليهود والبوذيين، فذلك يُقابل بـ "عادية" لا تستدرجُ ارهاباً ولا تستنفرُ إجراما.

يفرضُ زمنُ داعش هيمنة على ثقافة المنطقة، بحيث تمارس الماضوية السوداء ساديتها على كل راهن وحداثي. تطفو على سطح المحيط العربي أثارُ استنكار وإدانة وغضب (إلى درجة مشاركة شخصيات عربية في مسيرة باريس)، فيما يعجُّ داخل المحيط بحقد وشماتة وتشفي ينفخه فكرٌ أسود يكره الحياة ويمجدُ العدم.

في ذلك أن بين العالم الاسلامي والعالم أجمع حربٌ لا تنتهي تتأسسُ على ثنائية دار الكفر ودار الاسلام. وفي ذلك أن بين المنطقتين منطقين يتنافران ويتباعدان يوماً بعدآخر. قيّم الحرية والديمقراطية وحقوق الأنسان التي تسودُ عالم الآخر بدعٌ أجنبية غريبة عن ثقافة النحن، وهي زعمٌ مزيّف وإدعاء خبيث لا ينفيه عمران هذا الآخر ولا يدحضه التناوب تداول السلطة الذي يُخرج وجوه زعامة، فيما وجوه الحكم عندنا ثابتة ثبات المقدس في يومياتنا.

تُستثار وسائط الاعلام الاجتماعي بمشاهد الاعجاب العربي بتقدم هذا الآخر في السياسة والتكنولوجيا وتفاصيل العيش. في تلك المشاهد مقارنةٌ فيها كثير من الحسرة عن كيفية تعاطي الآخر مع معضلاته في التعليم وقوانين السيّر والتضامن الاجتماعي ومواجهة العواصف الثلجية، فيما النحن غارق في تخلّف في كافة الميدين متطلّع إلى أن يرقى يوماً إلى مستويات ذلك الآخر "الكافر". وفي اليأس الكامل من امكانية الارتفاع عما هو جامدٌ فينا، تروحُ الغرائز منتشية في قتل ذلك الآخر ونموذجه الاستفزازي، لعلّ في ذلك توسلٌ لإعدام النقيض وإغراء العالم أجمع إلى النزول معنا إلى ما هو دركٌ سفلي كئيب.

على أن مجزرةَ باريس لا تقفُ فقط عند تفصيل محليّ في مواجهة مع إرهاب هذه الأيام. تفوحُ من الحدث ارهاصات الصدام الذي يقتربُ إلى نقطة الانفجار القصوى في ما بشّر به صاموئيل هنتغنتون في مؤلفه الشهير رداً على "نهاية التاريخ" التي أخطأها فرنسيس فوكوياما قبله. فإذا ما اعتبر العالمُ أجمع أن الأرهابَ الذي تمثّله "دولة" البغدادي القادمة بعد "قاعدة" بن لادن خطراً يستوجبُ تحالفاً عسكرياً يتعامل مبضعياً مع الظاهر من هذا الورم، فإن التفصيل الباريسي قد يحاكي ذاكرة التفصيل السبتمبري في نييورك وواشنطن (طالما أن صحيفة لوموند تحدثت عن 11 سبتمبر فرنسي) والذي قاد إلى حرب كبرى في أفغانستان والعراق، ما زالت المنطقة تنزفُ من تداعياتها.

بالنسبة للعالم الغربي، رفع الحدثُ الباريسي مرتبة الظاهرة الجهادية من مستوى الخطر البعيد إلى درجة الخطر الداهم. أن يضرب الإرهابُ في قلب أوروبا يعني أن الخطر بات يهددُ لندن ومدريد وبرلين وواشنطن، كما ذلك الذي يروجُ في الرقّة والموصل وعين عرب - كوباني. على هذا سيطرأ حكماً تبدلٌ جذريٌ في استراتيجيات المكافحة "الفضائية" لداعش وأخواته، قد يذهب، وفق من يدعون لذلك، باتجاه تدخل "أرضي" يستلزم تورطاً برياً لاجتثاث من بات في الشرق يشكّل خطراً حقيقياً في الغرب (على ما يطالب السناتور جون ماكين وصحبه في واشنطن).

والمسألةُ لا تنحصرُ في تبسيط عن معركة بين "العالم المتحضر" والإرهاب الاسلاموي، بل أن الأمرَ قد قد يستلزمُ إعادة ترتيب العالم الأجمع، ما يستدرج تأملاً لواقع الفوضى والارتجال والتنافس الخبيث مع روسيا والصين ودول صاعدة أخرى. وقد لا تُفسّر ظاهرة داعش إلا كونها نتاجُ هذه الفوضى التي يختلطُ فيها الديني العقائدي بمناكفات الدول وتنافر مصالحها.

قد تروحُ تفسيرات الفاجعة الباريسية إلى تناول جلّ السياسة الخارجية الفرنسية (والغربية) وتحمّيلها مسؤولية الارهاب المترجّل في الأيام الاخيرة (وفق تصريحات دومينيك دو فيلبان رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق). يروج التذكير بمسؤولية باريس في اسقاط نظام معمر القذافي في ليبيا والدعوة مؤخراً لتدخّل أممي جديد في الميدان الليبي، مروراً بالفتك بالجهادية في مالي، وصولاً إلى تحريك حاملة الطائرات شارل ديغول للمشاركة في الحرب ضد داعش. ينعطفُ على ذلك الموقف من الحجاب وذلك الجدل الدائم بين العلمانية والدين في فرنسا... إلخ. بمعنى آخر، قد يجب وضع الاعتداء على "شارلي ابدو" في اطار صراع قوى كبرى، فيما المنفذون يمثّلون تفصيلاً في سياق تبادل الرسائل (في هذا السياق يجدر التذكير بموقف باريس المتشدد حيال نظام دمشق).

سددت العمليةُ الإرهابية في باريس ضربةً موجعة إلى الصحافة التي تمثّل عند الفرنسيين مكتسب حرية التعبير العزيز على قلوبهم. في إيران أدلت الصحافة الإيرانية (البعيدة عن التعبير الحر) بدلوها في ما حدث لتلك في فرنسا. لم تعر صحافة طهران كثير اهتمام للجريمة بصفتها جريمة، بل تبرعت في دعوة فرنسا إلى مراجعة سياستها في الشرق الاوسط وسلوكها ازاء العالم الاسلامي (شرق). بعضُ تلك الصحافة ربط بين الاعتداء وبين "دعم فرنسا للمعارضة المسلحة في سوريا" (رسالات)، ومشاركتها في الائتلاف الدولي ضد داعش (ابتكار)، وفوق ذلك تنديدٌ بالمفهوم الغربي لحرية التعبير ذلك أن "نشر رسم كاريكاتوري لزعيم داعش حقّ طبيعي للصحيفة (شارلي ايبدو) لكن اهانة المفهوم الاسلامي والمقدسات أمر مشين" (افتاب).

لا يُراد من الامثلة الايرانية التبرع بالتلميح بتورط ما، بقدر الاشارة إلى كمّ الملفات التي قد يُفصحُ عنها هذا الطرف ولا يكشف عنها ذاك، والتي تؤشر إلى احتقان دولي اقليمي يشرّع الباب أمام كل الفرضيات والاحتمالات في تفسير الحدث الباريسي. ولا شك أن الاسابيع المقبلة حبلى بالتطورات التي لا شك ستؤكد أن الحدث مفصلٌ يختلف بعده عما قبله.

في الإجماع الأممي على إرهابية الاعتداء سعيٌّ للتأسيس لما سيأتي بعد الإعتداء. الأوروبيون يتحضرون لتدابير غير عادية. اليمين المتطرف يشحذُ سكاكينه لمزيد من الانتصارات. المسلمون في العالم يخشون المزيد من العنصرية وسؤ الفهم. النُظم السياسية المسلمة برأت نفسها (لا سيما في التواجد في باريس) من الجريمة وستكون أكثر جهوزية للانضمام إلى أي جهد جديد ضد الإرهاب. داعش والقاعدة وتلك الجماعات تثبت قدرة عالية مقلقة على الحيوية والتطوّر والقدرة على المبادرة بشكل مفاجئ صاعق.

لكن ورغم أجواء الصدمة والغضب التي تلت الحدث الباريسي، فإن العقلانية ما زالت هي أساس الدينامية الغربية الراهنة. الحدث في باريس وليس في واشنطن حيث ردُّ الفعل لطالما جانبه صبيانية وتعجّل. والحدث الباريسي يأتي بعد حروب خاضها الغرب منذ عام 2001 في أفغانستان والعراق وباكستان واليمن والصومال... إلخ ضد الأرهاب. في ذلك لا يمكّن الحديث عن انجاز في هذا المضمار ولا يمكن التندر بمثلٍ يحتذى قي هذا السبيل، ما يستدعي سلوكاً حذراً متأنياً.

ولأن الحدث في باريس، فإن النقاش الذي شهدته فرنسا مثّل نموذجاً يتّسق مع روحية هذا البلد، ذلك أن الأصوات الفرنسية (الغربية) كانت مرتفعة في الدفاع عن الجالية المسلمة وتبرأتها، كما في التشكيك في قدسية حرية التعبير في نقاش أمر الرسوم المسيئة، كما أن التحليلات البيتية استبطنت تحميل هذا الغرب مسؤولية تنامي الظاهرة الإرهابية في العالم (لاحظ الحرج الذي واكب تواجد بنيامين نتنياهو في مظاهرة باريس، حيث كشفت هآرتس الإسرائيلية عن أن باريس طلبت عدم قدومه).

مقابل السجال الحاصل في فرنسا والغرب عموماً يتسلل الممانعون للتبشير بعهد من الازدهار. منهم من يرى في التفصيل الباريسي مقدّمة لتحوّل غربي لصالح تعويم نظام الأسد، فيما السيّد حسن نصر الله (الذي سبق أن هدد باللجوء بالدم للدفاع عن الرسول) يعتبر أن الأرهاب الباريسي هو نفس ذلك الذي يواجهه حزب الله في الداخل السوري، على نحو يوحي بالمشترك الذي يؤسس لاقتراب غربي من خيارات طهران (التي لم تتخل عن فتوى الخميني لقتل سلمان رشدي البريطاني لنفس الاسباب التي ارتكبتها "شارلي ابدو" الفرنسية).

تفرجُ جريمة باريس عن حجم الهوة الكبيرة التي تفصل عالمنا عن عالمهم. ستضطرُ العواصم الكبرى (في الغرب والشرق) إلى العودة إلى تدبير أمر هذه المنطقة التي بدا أن "الربيع العربي" انتقل بها من ميدان قلاقل تحت السيطرة إلى وكر كوارث وعبث. ثبتَ بالدليل أن أوليّ الأمر عندنا ما زالوا عاجزين عن التعبير عن نضج يوفّر علاجاً، فبات الترياق الدولي العصيُّ التركيب مطلوبا بشكل عاجل من جديد رغم ما أفرج عن عقم.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

الاسم عبدالله
الدولة بريطانيا

ليكن الس

2015-01-18

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
أردوغان في الخليج: في ما هو أبعد من أزمة قطر!
2017-07-21
أزمة الخليج مع قطر: في بقاء مجلس التعاون من اندثاره!
2017-07-17
اللجوء السوري في لبنان: ليس في كل جدل عنصرية
2017-07-14
داعش ينتهي.. إيران تقلق!
2017-07-07
واشنطن لموسكو وطهران: الأمر لنا في سوريا
2017-06-30
ذئاب داعش المنفردة أخفت ذئبا بريطانياً وراءها!
2017-06-23
هل بات مسموحا استقلال الأكراد عن العراق؟
2017-06-16
قانون الانتخابات في لبنان: كيف التحوّل من بلد إلى بلدية؟
2017-06-09
الإرهاب في لندن: مراجعات بريطانيا المعلنة ومراجعات المسلمين المتأخرة!
2017-06-06
خطط سوريا المستقبل: أي دور جديد للأردن؟
2017-06-02
المزيد

 
>>