First Published: 2015-01-19

مَن هزم الآخر، الدين أم السياسة؟

 

مثلما هو الاسلام السياسي اليوم كانت هناك في أوروبا مسيحية سياسية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

يعرف الاوروبيون جيدا ما معنى محاكم التفتيش التي أقفلوا أبوابها إلى الأبد بالعقل. بالعقل وحده استطاع الاوروبيون أن يهزموا جيوش الجراد التي كانت تعيث بأرواحهم فسادا وتملأ حياتهم كآبة وحزنا وتسمم أحلامهم بروائحها النتنة وتحيطهم بالظلام من كل جانب.

كان الدين هو عنوان عصر لم ير فيه الاوروبيون إلا الفقر والجهل والفاقة والعزل والتمييز والتهميش والقتل والاضطهاد والخوف والعبودية التي لم تكن تضع مسافة بين الله والحاكم. وهو ما تواطأت عليه المؤسسة الدينية ممثلة بالكنيسة والمؤسسة السياسية ممثلة بملوك خيل إليهم أن الله كان قد مسهم بشيء من نوره، وهو ما كانت الكنيسة قد قبلته لتضمن قوتها وقدرتها على البطش.

مثلما هو الاسلام السياسي اليوم كانت هناك في أوروبا مسيحية سياسية.

ومثلما أنتجت المسيحية السياسية محاكم التفتيش فإن الأسلام السياسي ينتج اليوم جماعات ارهابية تؤدي عمل محاكم التفتيش وإن كانت علاقتها بالأنظمة السياسية غير واضحة، أو مسكوت عنها.

لقد عرفت البشرية عصورا ساد فيها الارهاب بإسم الدين، وهو ما يعيش العرب رعبه اليوم باعتبارهم الشريحة الأكثر تضررا من الاسلام السياسي من بين المسلمين. ففي أجزاء مختلفة من العالم العربي تقام اليوم محاكم شرعية في الهواء الطلق، تنفذ من خلالها أحكام الرجم بالحجارة وقطع الايدي والرؤوس والجلد والرمي من أماكن عالية. وهو ما يعيدنا على الأقل ستة قرون إلى الوراء، بالإحتكام إلى التاريخ البشري. العرب اليوم يضفون على محاكم التفتيش طابعا اسلاميا.

أعرف أن الكثيرين لن يرضيهم الكلام عن الإسلام بهذه الطريقة.

سيقال نفاقا أو جهلا إن الإسلام يقع في مكان آخر وإن ما يفهمه الاسلامويون الجدد ليس هو الإسلام الحقيقي. وهو تعبير يجب أن نضعه دائما بين قوسين. لا إسلام القاعدة ولا إسلام جبهة النصرة ولا إسلام حزب الله ولا إسلام جيش المهدي ولا إسلام داعش هو الإسلام الحقيقي. أين يقع ذلك الإسلام الحقيقي إذن؟

ليس أمامنا سوى طالبان السنية وايران الشيعية.

التفخيخ تقابله المسيرات الجنائزية. مَن يسبق الآخر إلى الجنة؟

صار جحيمنا مؤكدا في حياة، لم نعشها إلا افتراضيا. فهي المساحة التي تتحرك عليها محاكم التفتيش الإسلامية التي صارت تقبض على السياسة باسم الدين منذ أن تحول عدد من الزعماء العرب إلى امراء للمؤمنين بدءا بجعفر النميري وانتهاء بصدام حسين مرورا بأنور السادات الذي قتلته جماعة اسلاموية متشددة.

لقد شربنا عصارة السم غير أننا كما يبدو لم نرتو بعد.

حاول السياسيون العرب أن يمارسوا لعبة الدين فخذلهم وها نحن اليوم نعيش حقبة يسعى فيها رجال الدين إلى تطويع السياسة من أجل خدمة مصالحهم الشخصية، فهل ستطيح السياسة بالدين؟

ما جرى في مصر هو هزيمة غير متوقعة للدين. على الاقل للتدين على طريقة جماعة الأخوان المسلمين. ولكن هل كان الاسلام السياسي قد هُزم بهزيمته المصرية؟

لقد انقذ المصريون أنفسهم من الوباء، غير أن كل شيء كان قد جرى متأخرا. ذلك لأن الوباء كان قد أنتشر بطريقة يمكن القول معها إن العرب صاروا ضحية لإسلام لم يتعرفوا عليه من قبل.

ففي ظل نظام حكم يدين بالولاء لفتوى ولاية الفقيه لا يملك العراقيون سوى أن يستسلموا لقدر خلاصهم من السياسة عن طريق الدين المشبع بالخلاص الطائفي وهو بالضبط ما تعيشه شريحة كبيرة من اللبنانيين واليمنيين وهم يمنون النفس في رؤية المهدي قادما على حصانه الأبيض برسالة القيامة.

اما ثكنات القاعدة وجبهة النصرة وداعش فإنها تهيء شعبا جاهزا للإنتحار في أية لحظة تكون فيها مائدة العشاء النبوية جاهزة لإستقبال ضيوفها.

لقد انتصرت الخرافة على العلم حين استعادت محاكم التفتيش دورها في التاريخ.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
سوريا في ظل استراحة المحاربين
2017-07-27
وساطة الاخواني المخادع
2017-07-26
في العراق شعب سعيد
2017-07-25
لبنان في مواجهة ذهب المقاومة الزائف
2017-07-24
مَن يحاكم المالكي؟
2017-07-23
كراهية العرب ثقافة فارسية
2017-07-22
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
قطر في حلها وترحالها
2017-07-17
المزيد

 
>>