First Published: 2015-01-28

مصر وتحديات الفوضى الإقليمية

 

الثمرة الكبرى، مصر، لن يتم تركها لحالها، وربما تظل مرغوبة ومطلوب تقزيم قواها المركزية وإغراقها في أزمات ممتدة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

أي نظرة عابرة للخريطة العربية حاليا، تشعر صاحبها بالغضب والضيق. فعدد كبير من الدول، أصبح رهينة لكثير من الصراعات والنزاعات الداخلية، ويخضع لحسابات قوى إقليمية لديها أطماعا تاريخية في المنطقة، وبانتظار الخطوة التي يمكن أن تقدم عليها قوى دولية، تملك حزمة صارمة من التصورات للشكل المرسوم لها، ولا تريد التفريط فيها، وتسعى من خلال أدوات مختلفة إلى تدشينها، وفقا لسيناريوهات أساسية وأخرى بديلة.

المهم إحكام السيطرة على المقدرات السياسية، والمفاصل الأمنية، والمرتكزات الاقتصادية، وجميع الإمكانيات الحيوية. فالدول التي خضعت للفوضى، سواء بسبب التقديرات الخاطئة لأطرافها المحلية، أو جراء مؤامرات خارجية، لم تدخل هذه الحلقة الجهنمية من فراغ، بل وجدت في الداخل بيئة مكشوفة وصالحة لتنفيذ مخططات شيطانية، وفي المحصلة لا الأطراف المحلية حققت طموحاتها الضيقة، ولا القوى الخارجية الراغبة في فرض الهيمنة، وإعادة تشكيل المنطقة العربية، بعد فك وتركيب هياكلها، نجحت في فرض هيمنتها كاملة.

الجانبان، يكابدان، أملا في الوصول إلى صيغة، يمكن من خلالها أن يصل كل طرف إلى ما يريده، إلا إذا كان سيناريو الفوضى والانفلات الحاصل، هدفا في حد ذاتهما. وهذا مستبعد، لأنه في النهاية لابد أن تستقر حركة الساعة في مكان معين، نتيجة إرهاق الآلة نفسها،وعدم القدرة على مواصلة الحركة لأجل غير مسمى.

في الوقت الراهن، تبدو حالات الاقتتال الأهلي المنتشرة في دول كثيرة، لم تصل إلى درجة الإنهاك الكامل، لأنها تتغذى على عوامل متجددة، وتضخ في شرايينها أنواعا مختلفة من الدماء المسمومة، تجعلها تتصرف غالبا بطرق غير آدمية. فالقتل والتدمير والتخريب، طالوا أشياء متباينة. وكنا نعتقد في وجود حرمة لامرأة، أو رحمة بطفل، أو شفقة على شيخ، أو تعاطفا مع عابر سبيل. وضاعف من المأساة أن هناك تدخلات، في ظاهرها البحث عن حلول سياسية، ثم يكتشف العالم أنها تحوي في باطنها عوامل تسعى إلى مد أمد الأزمات العسكرية، وقد تجاوزت بعض الدول رذيلة القتل على الهوية، إلى القتل لمجرد الردع.

المخاطر التي ضربت دولا عدة، مثل سوريا وليبيا والعراق واليمن، وكذلك السودان، ومن قبله الصومال ولبنان، كاد شبحها يطل على دول عربية أخرى السنوات القليلة الماضية، في مقدمتها مصر، لكنها نجت بأعجوبة من الفوضى، واستطاع شعبها ومؤسسته العسكرية وقواه الوطنية الحية، أن يفوتوا الفرصة على محاولات تكرار تجارب مريرة في دول مجاورة، وإذا كانت مصر عبرت فعلا البلاد إلى بر الأمان، إلا أنها لا تزال مستهدفة، ولم تتوقف رغبات البعض في تركيعها.

وثمة مناوشات تطل برأسها، ما يعني أن الثمرة الكبرى (مصر) لن يتم تركها لحالها، وربما تظل مرغوبة، ومطلوب تقزيم قواها المركزية، وإغراقها في أزمات ممتدة، لأن تماسكها، في ظل الترهل والتدهور، الذي يحيط بدول عربية شقيقة، من الممكن أن يصوب المسارات السلبية، ويعدل دفة الموازين المختلة، التي أنهكت وربما قضت على هذه الدول، فمصر القوية العفية، لن تقبل بحدوث المزيد من الانفلات، وحتما تسعى إلى لملمة الجراح الحالية.

التحرك بالهجوم السياسي تجاه هذه المسألة، لا يعني البحث عن استرداد زعامة غابرة، أو جريا وراء قيادة، يعلم كثيرون أنها مكلفة، بل لأن تضميد الجراح العربية، هو حماية أساسية للأمن المصري أولا، فالسوس الذي ينخر في بلاد متعددة، ربما يزحف على مصر عبر قنوات خلفية، أو يتسرب إليها من خلال ناقلي عدوى مستترين، وأحيانا معلومين.

في الحالتين، يمثل الانكفاء على الداخل خطورة كبيرة، تنعكس أضرارها مباشرة على تماسك الدولة المصرية، التي نجت بأعجوبة من عمليات إرهابية، بقاياها لا تزال مستمرة، ولم تتوقف حتى هذه اللحظة. ولعل ما حدث يوم الأحد الماضي، في خضم الاحتفال بالذكرى الرابعة لثورة 25 يناير، كشف الوجه الخفي لبعض القوى، التي لا تزال تحلم بالانقضاض على مصر، ولو على جثث الأبرياء، فالمظاهرات المسلحة بالعنف في الداخل، وحملات التحريض في الخارج، أثبتوا أن حلقات الاستهداف لم تتوقف، وربما تظهر منها أنواع غير مألوفة.

لذلك، فإن الحفاظ على البيت متماسكا، أول وأهم الخطوات لقطع الطريق على الجهود الرامية إلى النيل من مصر، التي ساهم خروجها من النفق المظلم، في تخريب مخططات محكمة، قصدت المنطقة برمتها، كما أن تجنب أسلوب تصفية الحسابات السياسية، والحفاظ على وحدة الجماعة الوطنية، من العوامل الرئيسية، التي يمكن أن تفرمل أية توجهات رامية للنفاذ إلى تفتيت الكتلة الصلبة للدولة المصرية.

ومن يشاهد تفاصيل التطورات الدقيقة في دول مجاورة، يشعر بتعاظم الخطر. ومن يتذكر المعارك التي خاضها الجيش والشرطة مع إرهابيين في سيناء وغيرها، لا يحكمهم وازع من ضمير، يتأكد أن مصر كانت في قلب سيناريو الفوضى الهدامة.

النجاة من هذا السيناريو تماما، فرضت على المواطنين واجبات أساسية، ووضعتهم أمام مجموعة من التحديات الإستراتيجية. وعلينا جميعا، أخذ الدروس والعبر من حول مصر، وتحمل المزيد من تكاليف النجاة، وأعتقد أنه لا غضاضة في هذا المطلب، فقد مرت على البلاد سنوات عجاف في مراحل تاريخية مختلفة، قد تكون أشد صعوبة مما نعيشه الآن. ومرت بسلام، وبقيت مصر بشعبها وحضارتها.

من يرجع بالذاكرة إلى الوراء ويتدبر الطريقة التي اندلعت بها ثورة يناير، والظروف التي حضت على استكمالها بثورة يونيو، والمقومات التي حصنت البلاد من الانجراف، يعرف لأي درجة أننا شعب، قادر على تجاوز الصعاب والمحن.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
السعودية الجديدة
2017-11-12
البعد الغائب لحل الأزمة الليبية
2017-11-02
في معنى ترميم الدولة العراقية
2017-10-26
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
المزيد

 
>>