First Published: 2015-01-29

مصر والمسطـرة العمياء

 

من الصعوبة أن تحقق إنجازا إذا لم تأخذ في الحسبان كيف يفكر الآخرون؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

حدثني صديق عربي، أن مصر حققت نجاحات سياسية مهمة، على مستوى السياسة الخارجية، لكن لأنه يرى العالم جيدا، حيث يقيم بإحدى العواصم الغربية، فاجأني بعدم اقتناعه أن تكون مصر مؤثرة في محيطها الإقليمي، طالما بقيت مصرة على قياس أزمات الآخرين على مسطرتها الذاتية، وتتغافل الآخرين.

وقبل أن أسأله كيف؟ تابع أنها تبدو مشغولة بالمشاكل العربية، لكنها في حقيقة الأمر غارقة في همومها الداخلية، لذلك لن تتمكن من تحقيق إنجاز كبير في الأزمات العربية التي لديها مقاربات سياسية تجاهها، مثل ليبيا وسوريا واليمن، ولن يقدر لها أن تكون فاعلا إقليميا قويا، ما لم تتجاوز عقدة المشكلات المحلية، وتفهم جيدا أن المساطر التي يقيس بها الآخرون أزماتهم، ليست بالضرورة أن تكون هي ذات المسطرة المصرية.

فلكل دولة حسابات مختلفة، وفي كل دولة مؤثرين أساسيين وهامشيين، وأطراف قد تعرف أعدادها، لكن يمكن أن تفشل في معرفة أولها من آخرها، والتفاصيل الدقيقة لوزن كل طرف، وحجم تأثيره في الواقع، وهو ما يجعلك (يقصد مصر) تواجه صعوبات في النتيجة النهائية، فالخطوط العريضة في خرائط متشابكة ومتغيرة، لا تكفي لصناعة نجاح سياسي راسخ.

أخذت كلام صديقي، وطبقته على ما وصلت إليه علاقات مصر الخارجية، فوجدت أن له ظلالا كثيرة من الحقيقة، فنحن في مصر تجاوزنا سلسلة من العقبات الإقليمية والدولية بمهارة، في الجزء الذي يخصنا، لكن لا يزال أمامنا شوطا طويلا، للوصول لدرجة متقدمة من التأثير، والتحول إلى لاعب محوري في المنطقة، لأن الآخرين لهم رؤى ونظرات، لا تتماشى مع الخط المستقيم للمسطرة التي نقيس بها حجم أزماتهم. فنحن اقتربنا كثيرا من الأزمة الراهنة في ليبيا، وكدنا نصدق أن مفاتيح الحل والعقد التي في أيدينا تكفي لحلها، ثم فوجئنا بطوفان من العراقيل، حال دون الاقتراب من تسويتها، بموجب المبادرة المصرية. هكذا يبدو حال علاقتنا مع الأزمة السورية، وربما بعض الدول الخليجية. فالتفوق في مجال السياسة يتطلب مراعاة خصوصية الآخرين، وماذا يريدون.

استهوتني فكرة الصديق العربي، وقمت بمد الخيط على استقامته في الداخل، فوجدت أن الجذور المحلية لنظرية المسطرة أشد وطأة من الخارجية، فالحكومة تعرف جيدا حجم معاناة المواطنين ومشكلاتهم، ولديها خطط وأفكار وحلول للكثير منها، وتبدع في وضع المشاريع المستقبلية، لكن فاتها التعرف على ما يريده بإلحاح قطاع كبير من المصريين في اللحظة الراهنة، لأنها أيضا اعتمدت على مسطرتها فقط، ولم تأخذ في الحسبان إمكانية أن تكون هذه متعارضة مع المسطرة الشعبية، التي تقيس المسافات بصورة أكثر موضوعية.

فالدولة عموما أصبحت تقيس مستوى النجاح بالساعة التي يستيقظ فيها رئيس الحكومة، أو أحد أعضائها مبكرا، وتعتقد أن عدد الساعات التي تواجد فيها كل مسئول في الشارع، عنصرا حاسما للحكم على كفاءته، وترى أن عدد المحافظات التي تنقل فيها الوزير أو رئيس حكومته، كفيلة بالتعرف على انجازاته، وبدت مثل ناظر المدرسة الذي كل ما يهمه الانضباط في الحضور والانصراف، دون اعتبار للنتيجة التي سوف يحصلها الطالب في نهاية العام.

لذلك تجاهلت تماما حجم الانجاز على الأرض، وركزت في الشكل على حساب المضمون. وبعد مضي عدة أشهر تأكد عدد كبير من المواطنين أن الحكومة مصممة على قياس مشاكل الناس بمسطرتها العمياء.

لا أحد ينكر تعاظم التحديات التي تواجهها هذه الحكومة، في الداخل والخارج، الأمر الذي جعل الناس تتحمل أخطاءها المتعددة خلال الفترة الماضية. لكن الأيام المنصرمة قرعت أحد أجراس الإنذار، حيث عادت بعض القوى السياسية، تدق على أوجاع المواطنين، وتستثمرها في التحريض على صب الغضب ضد مؤسسات الدولة، وقد تكون هذه المحاولات نجحت بصورة لفظية ومحدودة حتى الآن.

وما لم تبادر الحكومة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة تشعر المصريين بمزيد من الاطمئنان، سوف يتجاوز الغضب حدوده اللفظية، فعليها أن تعمل على راحتهم وتخفيف المعاناة عن كاهلهم، وتتخلى عن مسطرتها، التي لا تتحرك، يمينا أو يسارا، إلا من أجل قياس ما تريده الحكومة، التي لم تتعب نفسها في إشعار المواطنين أن هناك تغيرات شكلية، على الأقل، من خلال الاهتمام بالمظهر العام للشوارع المليئة بالمطبات والمكدسة بالأخطاء.

المسطرة العمياء، كشفت عن نفسها في تمسك الحكومة بعاداتها القديمة، المتوارثة من أنظمة سابقة، فهي تعمل بالطريقة نفسها تقريبا، حيث يبهرها صاحب الصوت العالي، ويخدعها المنافقون، ولا تتعب من أجل البحث عن الكفاءات في صفوف الشباب، مع أن لديها أقوى أجهزة لجمع المعلومات، وتعيد إنتاج بعض الأشخاص في قطاعات مختلفة، وتتصور أنهم أقدر على التعبير عن المرحلة الجديدة، بل وتقدم بعضهم على أنهم نماذج جيدة، وتجدهم حول أعضائها في كثير من المناسبات الداخلية والجولات الخارجية، وتغض الطرف عن أن هؤلاء، فقدوا صلاحيتهم الشعبية، وأصبحوا خارج نطاق الميزان الذي تحكم به فئة واعية من المواطنين.

هذا الميزان الحساس، له خصوصية كبيرة، ويقبض عليه من أعلى الوجدان العام للمصريين، الذين يتطلعون إلى التغيير الحقيقي، وما لم تأخذ الحكومة في اعتبارها شروطه القاسية، سوف تكتشف أنها تمشي وسط حقل ألغام، فالناس على استعداد أن تتحمل المزيد من التحديات، شرط أن تكون واضحا وأمينا معها، وتحترم قدسية آدميتها.

وأول خطوة لتعزيز الثقة أن تتخلى الحكومة عن مسطرتها التي أزيل من عليها مدرج الأرقام، وتستبدلها بأخرى جديدة، تستطيع أن تقيس بها أدق المساحات. ومن الصعوبة أن تحقق إنجازا، إذا لم تأخذ في الحسبان كيف يفكر الآخرون؟ ومن المهم أن تعرف ماذا تريد، لكن الأهم أن تكون واعيا لما يريده المواطنون؟

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
المزيد

 
>>