First Published: 2015-02-01

خلايا نائمة أم نظام سياسي فاشل

 

المجتمع الذي تركته الحكومات عرضة للتمزق كان مستعدا لإيواء المنحرفين من ابنائه بين تصدعات كيانه الذي لا يزال قائما بطريقة افتراضية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

فجاة صار الحديث عن وجود حاضنة شعبية للتنظيمات الارهابية ممكنا، بل ومطلوبا اعلاميا. فهل تسعى الانظمة السياسية العربية الى تبرير عجرها عن التصدي للارهاب عن طريق القاء تبعة ما وقع وما يقع من فوضى على عاتق المجتمع؟

العيب في المجتمع إذاً وليس في النظام السياسي الذي كان ولا يزال يفتقر إلى الحدود الدنيا من الخبرة الاستخبارية ومن الدراية والنزاهة في تصريف امور الناس المحكومين بقدر من الحصافة والعدالة والحكمة والمساواة.

المجتمع من وجهة نظر النظام السياسي القائم هو مصدر الخطر.

ولكن متى لم يكن المجتمع في العالم العربي كذلك؟

التباس تاريخي ثقيل الوطأة من هذا النوع يمكنه أن يكون دليلا دامغا على فقدان الثقة المتبادلة بين طرفي المعادلة. فالحكومة التي لا ترى في جزء كبير من المجتمع الذي تقوم بتصريف شؤونه إلا حاضنة لإعداء الاستقرار والسلم الأهلي لا يمكنها أن تتعامل بإطمئنان وايجابية مع ما يتقدم به ذلك الجزء من مطالب مشروعة. وفي المقابل فإن شعبا تطارده شبهة التآمر وصنع المكائد لا يمكنه أن يرى في الاجراءات الحكومية إلا نوعا من العقاب القائم على التمييز.

ولو تذكرنا ما جرى بعد وقوع جريمة شارلي أيبد في فرنسا لتعرفنا على معنى الوحدة الوطنية في أعظم صورها. وهي وحدة تقوم على اساس الايمان بالمصير المجتمعي المشترك الذي يرعاه نظام سياسي يرتكز على مفاهيم العدالة والمساواة والاخاء.

لقد قيل يومها "إن المجرمين لن يفلتوا، فهناك ستون مليون شرطيا يلاحقونهم" وهنا كانت الاشارة واضحة إلى عدد سكان فرنسا. وهو ما أدى إلى أن يفقد المجرمون أية فرصة للفرار.

إنه نموذج لا يصلح للمقارنة، بل للقياس على ما هو أفضل.

ففي بلدان عربية عديدة هناك اليوم ارهابيون، ارتكبوا من الجرائم أضعاف ما ارتكبه مجرمو شارلي أيبد تعجز السلطات عن القاء القبض عليهم، اما لأنها لا تريد ذلك أو لأنها لا تجد الطرق سالكة إليهم، بسبب ما يوفره الغطاء المجتمعي لهم من حماية، تكاد تكوم مطلقة.

أين يقع الخطأ في معادلة صار الجميع يتعثر بأحجارها؟

ما ينبغي الاعتراف به أن الارهاب الذي صار يهدد مجتمعات بأكملها بالاقتلاع لم يجد صعوبة في التسلل إلى تلك المعادلة المختلة التي تقوم كما قلت على فقدان الثقة المتبادل بين الحاكم والمحكوم.

هناك انفصال، استغلته الجماعات والتنظيمات السرية من أجل أن تملأ بأدبياتها فراغا عرفت أن أحدا من الطرفين لن يقوى على أن يملأه بمشروع وطني يكون بمثابة قاعدة لعقد اجتماعي، يكون فيه الطرفان مرئيين وواضحين، أحدهما بالنسبة للآخر.

لم تبذل الحكومات جهدا يذكر في ردم الهوة التي تفصلها عن المجتمع الذي من جهته كان قد حُرم من امكانية تأسيس منظماته العلنية التي تعبر عن تطلعاته المدنية.

في أعماق تلك الهوة السحيقة نشأت وترعرعت ونمت وأزدهرت التنظيمات الدينية التي صارت تستعرض قوتها في ما بعد من خلال الارهاب الذي أخطأت الحكومات حين صنفته عدوا لها، تاركة شرائح كثيرة من المجتمع لقمة سائغة في فمه.

ليس الحديث عن خلايا ارهابية نائمة نوعا من المجاز. فالمجتمع الذي تركته الحكومات عرضة للتمزق كان مستعدا لإيواء المنحرفين من ابنائه بين تصدعات كيانه الذي لا يزال قائما بطريقة افتراضية.

وهي الحقيقة التي تعرفها جيدا التنظيمات الارهابية التي أنهت مرحلة سباتها وأنتقلت إلى مرحلة العمل المباشر ما أن انهارت الانظمة السياسية.

لقد أدرك الارهابيون أن أن المجتمع العربي كان مشلولا منذ عقود وأن الانظمة السياسية البديلة لتلك التي انهارت أو في طريقها الى الانهيار لن تقوى على الدخول في حرب عصابات لن تربحها.

قد يكون متأخرا القول إن النظام السياسي في جزء مهم من العالم العربي كان قد فشل في اقامة صرح اجتماعي، يشعر المواطن فيه بأهمية ما يقوم به على المستوى الوطني.

الوطنية الحقة تكمن في أن يكون ستون مليون مواطنا شرطة من أجل حماية السلم الأهلي. الدرس الفرنسي الذي لم ولن يستوعبه العرب.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
حماقات اردوغان
2017-03-16
خذو عيني شوفو بيها
2017-03-15
صدمة اردوغان والصمت الاوروبي
2017-03-14
تونس ومزاج الثورة
2017-03-13
المزيد

 
>>