First Published: 2015-02-05

معارك بلا أسلحة

 

محاربة القنوات التابعة للإخوان، على طريقة 'تطييب الخواطر'، قد تصلح في جلسات المصالحة عند أهالينا في الصعيد، لكنها لا تصلح على الإطلاق مع دول.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

الطريقة التي تعاملت بها الحكومة، مع القنوات الفضائية التي تبث سموما سياسية من الخارج، لم تكن موفقة تماما، فقد صبت غضبها وضيقها على الدول التي سمحت لها بالانطلاق من أراضيها، أكثر من التعب لتحسين عرض خطابها الإعلامي، الأمر الذي أشعر أصحاب هذه القنوات بالنشوة والفرح، حيث تأكدت أنها أصابت الهدف.

عندما تقوم وزارة الخارجية بحشد الجهود الدبلوماسية، ومخاطبة سفرائنا في عدد من الدول الأوروبية، وإصدار بيانات تندد بالفضائيات التابعة للإخوان، فهذا يعني أن هناك أصداء أحدثتها في الشارع المصري، وربما العربي، بصورة تدفع باتجاه المزيد من رعايتها وتغذيتها، والتوسع في أعدادها، ومحاولة التفنن في البرامج التي يتم إذاعتها. والقلق الذي بدا في بعض التصرفات، أوضح أن هذه القنوات مؤثرة، وهو ما عكسه كلام الخارجية عن التواصل مع فرنسا بشأن دور قمرها "يوتل سات"، الذي أصبح واحدا من المراكز الرئيسية التي تبث بعض القنوات المسيئة لمصر إرسالها عليه.

كما أن التوجه الذي جرى تدشين ملامحه خلال الأيام الماضية، يثبت أننا مازلنا نرغب في تفضيل الحلول البسيطة، التي لا تتعب وزيرا هنا أو موظفا هناك، وأن المسطرة العمياء التي أشرت إليها في مقال الأسبوع المنصرم، لن تتوقف عن قياس المسافات في العتمة، لذلك فهي غير قادرة على رؤية الطريق الصحيح.

فالجهود الدبلوماسية قد تأتي بنتائج مع دولة شقيقة مثل الأردن، صاحبة القمر الصناعي "نور سات"، لكنها لن تجدي مع القمر "سهيل" الذي تملكه دولة قطر، وحتى فرنسا، غير مضمون أن تستجيب لمطلبنا، وإذا استجابت، لأسباب سياسية، فمن الذي يضمن عدم تحول هذه الفضائيات إلى أقمار أخرى، لا نستطيع التأثير على أصحابها؟

التقنيات التي وصلت إليها بعض الأقمار متقدمة جدا، بشكل يجعل المحطة تعمل على ترددات مختلفة، وقد تعمل على المدار أو الحيز نفسه الذي يشغله القمر المصري "نايل سات". بالتالي فمحاربة القنوات التابعة للإخوان، على طريقة "تطييب الخواطر"، قد تصلح في جلسات المصالحة عند أهالينا في الصعيد، لكنها لا تصلح على الإطلاق مع دول، لديها منظومة متكاملة من القوانين، تحكم تصرفاتها، وإذا نجحت جزئيا مع باريس، وتفهمت مطالبنا، فلا يعني ذلك أن هذه قاعدة يمكن تطبيقها مع آخرين، في فضاء يتسع لكثيرين من الشرق والغرب، وبات محورا أساسيا في الحروب التي تخوضها الدول، من خلال الدعاية المغرضة، وبث المعلومات الكاذبة.

وزارة الخارجية، تكبدت عناء كبيرا في تجميع فيديوهات تثبت بها، أن هذه القنوات تحمل غالبية برامجها تحريضا على العنف، وأفكارا داعمة للإرهاب، وتنقل صورا مزيفة ومشوهة، وكلاما مبتورا وموجها، وقدمتها إلى دول غربية، قد تكون هذه الخطوة مفيدة، إذا رافقتها خطوات أكبر وأعمق، وقامت جهات أخرى في الدولة بالتنسيق والتعاون لتقديم إعلام جاد ينقل الصورة الحية والخبر الجاد، ويحلل بنزاهة وموضوعية، بدلا من الصياح والصراخ، وأحيانا الحض على القتل.

فمن يرى السيرك، الذي تنصبه ليلا بعض المحطات الفضائية، من المؤكد أنه سينصرف عنها، ويبحث عن شيء مختلف، حتى ولو كان في فضائيات الإخوان، ولو من باب التغيير وحب الاستطلاع، خاصة أنهم أجادوا العزف على الوتر الإنساني، ودغدغوا مشاعر المواطنين، وهم يعرفون أننا شعب عاطفي نتأثر بالدم، أكثر مما نتأثر بالذم.

هنا تكمن نقطة البداية الحقيقية، فقد تحدث خبراء الإعلام كثيرا، وبحت أصواتهم منذ سنوات في أن يكون لمصر خصوصيتها في تقديم إعلام جاد، يبعد عن الإثارة والانتقام، ويحاول أن يقترب من وجدان الناس، عبر قناة أو أكثر تتولى نقل ما يجري في مصر بمهنية، لكن لا حياة لمن تنادي.

ولا زلنا نفضل الاستسهال، ونبدع في تكسير عظام الخصوم وتخريب تجاربهم، أكثر من تقديم تجاربنا التي تناطحها وتتفوق عليها، في جذب الجمهور، لاسيما أن معظم القنوات الخارجية تعمل بلا مهنية حقيقية، وتقدم مضمونا ساذجا، يعتمد على الإثارة، واستخدام عبارات زاعقة جوفاء، من أجل لفت الانتباه. ونجاحها قائم أصلا على فقر الإعلام الرسمي، الذي لم يستطع أن يغير جلده السميك، مع أنه نال من النقد ما يكفي لأن ينطق الحجر. كما أن الإعلام الخاص، تفرغ بعضه لتصفية الحسابات، وخدمة أجندة أصحاب رأس المال، فبدت الساحة فارغة أمام الإعلام الساذج للإخوان.

الحل ينطلق من التصرف بعقلانية، والابتعاد عن الأفكار الخيالية، والهبوط على الأرض ورؤية الواقع بكل ملابساته وتعقيداته. فعلى الحكومة أن تأخذ مسألة تطوير الإعلام الرسمي بجدية، وتوفر له كل التسهيلات اللازمة لمناطحة المحطات الكبرى، وأعتقد أن هناك إمكانيات تقنية قابعة في ماسبيرو، لم يستطع المسئولون، سابقا أو حاليا، استغلالها وتوظيفها بصورة علمية.

وعليها أيضا أن تضع أمام من يتولى مهمة التطوير مراعاة الثوابت المهنية والوطنية، وتوفير مساحة ليست هينة للحريات. وتبني فكرة التنوير، بطريقة بعيدة عن المزايدات المزايدات الثقافية، لأن التنوير الحقيقي، هو الذي يقاوم الخرافة، ويفصل المقدس عن المدنس.

رب ضارة نافعة، كما يقولون، فقد تكون حانت لحظة المكاشفة، وأخذ زمام المبادرة لتطوير الإعلام، لأن التدليل الذي يحصل عليه إعلاميون، من قبل بعض مسئولين كبار أفسدهم، وجعلهم يتصورون أنهم يقدمون بضاعة جيدة، ليست بحاجة إلى مراجعة أو تغيير، وهو ما يسمح للإعلام الذي يخرج من قطر وتركيا وفرنسا وبريطانيا، يتمادى في شططه، لأن قطاعا كبيرا من الجمهور، بدأ ينصرف فعلا عن المحطات المصرية، فأصبح جزء منه يبحث عن ملاذ فضائي آخر.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
السعودية الجديدة
2017-11-12
البعد الغائب لحل الأزمة الليبية
2017-11-02
في معنى ترميم الدولة العراقية
2017-10-26
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
المزيد

 
>>