First Published: 2015-02-11

داعش يُدخل الأردن دائرة استهدافاته

 

ظروف ووقائع إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة بهذه الوحشية هي رسالة واضحة لنوايا التنظيم بإدخال الأردن في دائرة أعماله الإرهابية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. خليل حسين

أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

لا يختلف اثنان على حساسية الواقع السياسي والاجتماعي الأردني حتى في الظروف الطبيعية للمنطقة، فهو مركز شد وجذب شديدين لفواعل إقليمية ودولية بحكم موقعه الجيو سياسي، الواقع على خط التصدعات الإقليمية الكبرى. وفي الواقع أيضا تمكنت السياسات الأردنية من النأي بالأردن إلى حد كبير، عما جرى في المنطقة، وبخاصة في السنوات القليلة الماضية،حيث عجت الساحات العربية بحراك التغيير، ذلك بفضل مواقف متوازنة راعت حساسية الإسلاميين في الواقع المجتمعي الأردني.

ذلك، لم ينفع بإبعاد خطر التطرف الذي تمدد حوله، والذي سعى جاهدا لاختراق الساحة الأردنية من بوابات مختلفة، وهو في الواقع كان هدفا دائما للجماعات الإرهابية المتطرفة في السنوات الماضية، وموقعا مفترضا للتفجير السياسي والأمني في العقل الجمعي للتنظيمات المتطرفة ومنها القاعدة وأخواتها، وبخاصة تنظيم داعش.

ويبدو جليا، أن ظروف ووقائع إعدام الطيار الأردني، معاذ الكساسبة، بهذه الوحشية غير المسبوقة في تاريخ البشرية، هي رسالة واضحة لنوايا التنظيم بإدخال الأردن في دائرة أعماله الإرهابية، ذلك بعد ظهور العديد من المعطيات والوقائع التي لم تكن لمصلحة التنظيم الإرهابي والتي يريد التعويض عنها.

فبعد التمدد الملتبس الذي أحرزه تنظيم داعش في غير منطقة عراقية وسورية وغيرها من الساحات، بدءا من سيناء وصولا إلى ساحات شمال أفريقيا ووسطها، يبدو أن رقعة الجغرافيا – السياسية التي سيطر عليها مؤخرا، بدأت في التبدد، وبخاصة في مناطق غرب العراق وشمال سوريا في منطقة كوباني، الأمر الذي هزَّ صورته، والذي حاول جاهدا لصقها في ذهن المجتمعات العربية والإسلامية بفعل مجازره ووحشيته وبطشه غير المسبوق، وهو الآن يبحث عن انتصارات ولو وهمية لإعادة تموضعه السياسي والعسكري في المنطقة، ولم يكن الأسلوب الذي تم تظهيره لجريمة إعدام الطيار سوى إحدى الوسائل الإعلامية المكشوفة للتنظيم.

ان واقعة الإعدام – الجريمة، وان تعتبر مفصلا في النوايا الداعشية مستقبلا، إلا أنها ثبّتت النوايا المضمرة لاستعمال الجريمة كوسيلة لجر الأزمات وافتعالها في الساحة الأردنية. فالتنظيم فاوض على الطيار والرهينة الياباني مقابل إرهابيين محكومين في الإعدام من قبل القضاء الأردني، في الوقت الذي كان الطيار قد اعدم، وهو بذلك اشترى الوقت ليفتعل وقائع استفزازية من الصعب عدم الرد عليها، وبالتالي إدخال عمان في رد الفعل والفعل المضاد، في وقت هو بأمس الحاجة لتظهير خصم وعدو آخر له مواصفات الدولة كالأردن.

في أي حال، وان يكن الأردن هو جزء من التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب وفقا للقرار 2170، وبالتالي هو من وجهة نظر داعش جزءا من مسرح عملياته الإرهابية، وعلى الرغم من أن الأعمال الإرهابية حتى في مفهوم أصحابها، لا تحتاج إلى تبريرات شرعية أو أخلاقية أو قانونية، فقد استعمل الجزء الإعلامي من الجريمة وسيلة لحقن الشارع الأردني وتهيئة الظروف لإدخاله في دوامة الاستهدافات الإرهابية الداعشية بشكل مباشر، بعدما تم تحييده نسبيا في فترات سابقة.

في المقابل، يبدو خيار الأردن بالاندفاع نحو المواجهة امرأ واقعيا ومنطقيا من الوجهة العملية، بعدما توحّدت الساحة الأردنية بمختلف أطيافها باتجاه المواجهة، إلا أن السؤال المركزي الذي يطرح نفسه متعلق بقدرات الأردن الفعلية على الانخراط بمستويات عالية الشدة في مواجهات مع جماعات إرهابية حُشدت قوى عالمية ضدها،وحتى الآن لم تؤدِ إلى نجاحات حاسمة.

إن سبل المواجهة تتطلب وسائل وآليات مختلفة عما هي مطروحة الآن، فالقتال من الجو ليس كالقتال على الأرض، وسبل القضاء على الجماعات الإرهابية تتطلب أولا وأخيرا تجفيف مصادر تمويلها ودعمها اللوجستي، الأمر الذي يتطلب قرارات أكثر جرأة من المجتمع الدولي، الذي دفع أثمان باهظة جراء التوحش الداعشي، لذا ينبغي العمل بجدية على رفد قرارات أممية إلى جانب القرار 2170 الذي لم ولن يكن كافيا للقضاء على هذا الوحش الذي لم يشهد تاريخ البشرية كمثل جرائمه.

 

د. خليل حسين

استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

 
د. خليل حسين
 
أرشيف الكاتب
تحديات قمم ترامب في الشرق الأوسط
2017-05-27
الاتحاد والمملكة غير المتحدة
2017-04-05
خلفيات التوتر التركي الأوروبي وتداعياته
2017-03-21
دلالات الفيتو المزدوج في مجلس الأمن
2017-03-05
إلى أين بحل الدولتين؟
2017-02-20
حدود التوتر الأميركي الإيراني وآفاقه
2017-02-19
ديموقراطية أميركا وشوفينية ترامب
2017-01-30
مؤتمر أستانة محطة عابرة في الأزمة السورية
2017-01-23
إسرائيل ومعاقبة الأمم المتحدة
2017-01-19
روسيا وعقيدة بوتين المجدّدة
2017-01-12
المزيد

 
>>