First Published: 2015-02-12

للتسريبات فوائد سياسية

 

محاولة الأخوان ومن يقف خلفهم استغلال هرج التسريبات إنما تسلط الضوء على طريقة تفكير الجماعة ومن يلف لفها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

لم تأخذ ما تسمى بفضيحة التسريبات التي أذاعتها الجزيرة القطرية، وشقيقاتها من القنوات الإخوانية، حظها من التركيز في مصر، ربما لأن هناك هموما أمنية وقضايا سياسية أكثر أهمية، وربما لأن الانطباع الذي ساد عنها مبكرا أنها "مفبركة"، فلا يمكن لأحد تصديق أن الرئيس السيسي وبعض معاونيه، يوجهون انتقادات لاذعة لدول خليجية شقيقة، وقفت إلى جوار مصر في أحلك اللحظات صعوبة.

لكن التسريبات مضت إلى حال سبيلها، بعد أن جرى تهيئة الأجواء الإعلامية لها عن جدارة، ولم تحقق أغراضها في ضرب العلاقات المصرية الخليجية، وضاعت جهود أصحابها هباء، وفشل من وقفوا خلفها، ومن دعموها، ومن فكروا في بثها، ومن خططوا لأجل إضفاء إثارة عليها، في تحقيق ما أرادوا الوصول إليه في الوقت الراهن. فقد تجاهلوا أن الممارسات والأفعال أهم من الأقوال، فما بالنا إذا كان الكلام محرفا؟

رب ضارة نافعة، كما يقولون، حيث انقلبت التسريبات، إلى مشكلة على رأس من رسموا لها خريطة الطريق، وجهزوا المسرح جيدا لاستقبالها بدرجة مشوقة. فالدول الخليجية التي كانت معنية بالمسألة، أكدت عدم اكتراثها بهذه النوعية من الألعاب السياسية، وأظهرت تأييدا كبيرا لمصر، وتسابق المسئولون بها في تقديم الدعم المعنوي والسياسي للقيادة المصرية، التي بادرت مبكرا بالتواصل مع الملوك والزعماء، لكشف أبعاد المؤامرة وأهدافها، وربما تكون الاتصالات التي أجراها الرئيس السيسي مع الملك سلمان بن عبدالعزيز، الأكثر أهمية، لأنها قطعت الطريق على التكهنات التي ذهبت إلى حد الادعاء أن هناك توترا بين مصر والسعودية، الأمر الذي بنى عليه مروجو التسريبات جانبا كبيرا من حساباتهم في بثها.

غير أن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، وتأكد أن العلاقات بين البلدين لديها من الروافع الإستراتيجية ما يجعلها معصومة الآن، من أي تأثيرات سلبية، فهناك مجموعة كبيرة من القضايا المشتركة، تفرض التقارب والتفاهم، وهناك سلسلة من الأزمات الإقليمية تدفع نحو التكاتف والتلاحم، وهو ما حاول مدمنو التسريبات اللعب عليه، بغرض إحداث قطيعة، تحول دون التناغم بين القاهرة والرياض، وتوقف المساعدات الاقتصادية، التي ساهمت بدور حيوي في تجاوز مرحلة كانت غاية في الصعوبة، عقب ثورة 30 يونيو، وتمنع تدفق المزيد من الاستثمارات الخليجية، خاصة أن مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي يعول عليها كثيرا.

التسريبات المزعومة، لم تخل من فوائد سياسية، فقد كانت أول اختبار صعب يواجه العلاقات المصرية الخليجية في عهد السيسي، وتم تجاوزه بامتياز، وأخذ في طريقه الشوائب التي تناثرت بشأن وجود أزمة مصرية – سعودية، وعزز القناعات المشتركة بضرورة الوقوف أمام العواصف التي يمكن أن تأتي من هنا أو هناك، وقدم في النهاية دليلا عمليا بعدم الاقتراب من هذه الناحية، لأن كوابحها قوية، ومناعتها الطبيعية يصعب اختراقها، وكشف هذا الاختبار حجم القلق والتوتر الذي ينتاب جهات إخوانية وإقليمية ودولية من تنامي وتطوير العلاقات المصرية - السعودية.

الطريقة التي تم بها عرض التسريبات، كانت أول مسمار في نعش من وقفوا خلفها، وفضحت نواياهم الحقيقية، عندما جعلوا الجمهور الذي انتظرها، يتوقع أن هناك قنبلة سياسية يمكن أن تقلب الأمور رأسا على عقب في مصر، وهو الوهم الذي لا تزال تعيش عليه جماعة الإخوان ومن لفوا لفها، في الداخل والخارج، حتى أن البعض لم يعط لنفسه فرصة التمعن في المضمون الذي تمت إذاعته، ولا النظر في التوقيت الذي قيل أنه تم فيه، ولا حتى مكان الجلسة التي قالوا أن التسجيل تم خلالها، وكلها علامات تؤكد أن من أقاموا الحفلة الإعلامية لبث التسريبات، أرادوا الشوشرة على النظام المصري والمؤسسات الوطنية، بعد أن قطعوا شوطا كبيرا من النجاحات، وسط ظروف مليئة بالتحديات.

المهم أن الحصيلة التي تمخضت عنها المسرحية، ألقت بحجر كبير في مصداقية المحطة، التي أخذت تعيد وتزيد التسريبات، ليلا ونهارا، وتجلب لها مجاذيب من الشرق والغرب، لتكريس انطباعات أنها صحيحة، حتى أن قطاعا ممن كانوا معجبين بإثارتها أصيبوا بالإحباط، وتأكدوا أنها تغرد خارج السرب، بل ومسئولة عن إدارة سيرك إعلامي، له أجندة سياسية لم تعد خافية على كثيرين، وتعمل أصلا على النيل من النظام المصري بأي وسيلة أو ثمن، بصرف النظر عن نزاهتها، وهذه واحدة من المزايا المعنوية للتسريبات الملعونة، حيث رفعت الغطاء عن مدعي الحياد والموضوعية.

من هنا يمكن فهم حكمة الصمت التي تحلت بها الأجهزة المصرية المعنية، فقد رأى كثيرون ضرورة الرد بحسم على التسريبات، وتوضيح حقيقتها مهما كانت، لأن المعركة قد تترك خلفها رواسب سياسية، لكن تجاهلها من البداية وضعها في حجمها الطبيعي، وفوت الفرصة على من أرادوا جر مصر إلى مناوشات جانبية، وكانت الاتصالات الإيجابية التي أجراها الرئيس السيسي مع ملوك كل من السعودية والكويت والبحرين وولي عهد أبوظبي، أكبر لطمة على وجه من أرادوا فك التحالف المصري مع هذه الدول.

الحاصل أن الموقعة الأخيرة، ربما تساهم في وقف خرافة التسريبات عموما، التي بدأت داخل مصر، عن طريق بعض الإعلاميين، واتسمت بقدر عال من تصفية الحسابات السياسية، ومحاولة حرق أشخاص، أصابوا أو أخطأوا، لكن في النهاية وجودهم تحول إلى خطر على مصالح من رأوا ضرورة في إخراجهم من المشهد، عبر مكالمات هاتفية، تلصصت على حياتهم الشخصية، ولأن من بثوا التسريبات في مصر لم يجدوا من يردعهم، وحققوا شهرة واسعة، انتقلت هذه الثقافة بسهولة للإخوان، وحاولوا توظيفها واستثمارها مرارا، عندما تأكدوا أنها، حقيقة أو مزيفة، لها جاذبية عند فئة ليست هينة من الجمهور المصري.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
المزيد

 
>>