First Published: 2015-02-13

تركيا - السعودية: مقاربة تروم الالتفاف على المأزق المصري

 

يصطدم الاعتماد التركي على سنّية المسعى والمنهج، حكماً ومنطقاً، مع الشيعية السياسية التي تقودها طهران دون خجل أو التباس.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

تدركُ أنقرة فجأةً أن التحوّلات الاستراتيجية التي تنشطُ ورشتها في المنطقة، تستدعي تحوّلاتٍ جذرية في مقاربة تركيا لعلاقاتها الإقليمية قبل الدولية. تخلت حكومةُ حزب العدالة والتنمية عن سياسة "تصفير" المشاكل مع الجوار (وفق عقيدة أحمد داوود أوغلو)، وراحت تحفرُ الخنادق في رسم حدود أمنها الإستراتيجي على مساحات هيّجت نوستالجيا عثمانية قديمة. وبين المتاح المأمول يكتشفُ الحكم في تركيا عقم خياراتٍ معتمدة، ويتوسلُ بحنكة تغييراً في المنهج والسوك وفق المقولة الفرنسية الشهيرة: "الغبي فقط هو من لا يغير رأيه".

مقابل التطورات الدراماتيكية في العراق وسوريا، تصرفَ أردوغان وصحبة بصبيانيةٍ وتسرع وتعجل على منوالٍ لا يتسقُ مع خط بياني حكيم مثّلته تجربة حزب العدالة والتنمية منذ وصوله للحكم عام 2002. انتقل الحكمُ التركي من تقارب وتحالف متعجّل وسوريالي مع نظام دمشق، إلى عداوه واحتراب علني نهائي لا رجعة فيها. أثارَ النظام التركي مظلومية السنّة في سوريا، فحرّك نظام دمشق حميّة وعصبية علويي تركيا. وأشرفت أنقرة بشكل مباشر أو غير مباشر على أنشطة المعارضة السورية، فإستندت دمشق على المعارضة التركية لمناكفة مزاج الحاكم في أنقرة.

في العراق جرى تحوّل تركي لافت قاد إلى صدام علنيّ إعلامي بين رأس السلطة التركي رجب طيب أردوغان ورأس السلطة في العراق، أنذاك، نوري المالكي. مارست الشخصيتان تمارين متقدمة في الردح وتبادل الإتهامات العصبية والمذهبية، على نحو جعل من المالكي رجل اللحظة بالنسبة للشيعة، وأحال أردوغان، طبعاً، حامي حمى السنّة في العراق. وإضافة إلى رواج التقليعات المذهبية، دعمت أنقرة دبلوماسيا واقتصادياً خيارات إقليم كردستان على نحو إستفز بغداد وحاكمها.

وفي الميدانين العراقي والسوري، حيث لتركيا أطول حدود برية ومصالح اقتصادية جيوستراتيجية جمّة، تغافلَ الجانب التركي عن حقيقة أن معركته تجري بالوكالة ضد إيران ونفوذها في كلا البلدين. تعامت طهران وأنقرة بخبث عن حدة التناقض والصدام الجاري بينهما، وجرى بسوريالية تبادل الزيارات وتطوير التبادل التجاري وتعظيم المنافع المشتركة، وجرى برشاقة حذقة تجاوز التباينات والالتفاف على الخلافات، وجرى تقديم التناقضات الجذرية والاستراتيحية (لاسيما في المسألة السورية) بصفتها تفصيلا تافهاً "لا يفسد للودّ قضية".

لم تعد تركيا تستطيع التحاذق في إغفال واقع تراجع وزنها في تحديد حاضر المنطقة ومستقبلها وفق الورش القائمة. لم يحظ أردوغان بدعم نظيره الأميركي باراك اوباما في خطته المتعلقة بسوريا، بما فيها انشاء منطقة عازلة ومنطقة حظر جوي. وتقومُ دول التحالف ضد الارهاب بقيادة واشنطن بتنفيذ استراتيجيات قصف جوي لا تأخذ بعين الاعتبار توجهات أنقرة أو خياراتها (هل يجب التذكير بتحفظ تركيا على الالتحاق بالتحالف في البداية). أما الهمّة الدبلوماسية، سواء بالطبعة الأممية بقيادة ميتسورا، أو الروسية التي يشرف عليها بوغدانوف، أو المصرية التي تنشط في القاهرة، ققد أهملت ما كانت تراه تركيا من خطط للاطاحة بنظام دمشق. أما في العراق، فتسير التبدلات العراقية منذ إبعاد المالكي وتعيين حيدر العبادي وفق تقاطعات إيرانية أميركية لا شأن للاتراك بها.

حشرت تركيا - اردوغان نفسها بعد الاطاحة بحكم الإخوان المسلمين في مصر بحيّز ضيق أصابها بعزلة عن المزاج العربي الرسمي العام. إبتعدت الدول الخليجية التي دعمت الرئيس عبدالفتاح السيسي عن أنقرة، وبات التوتر ظاهراً بين الرياض وأنقرة، على نحو أخذ في بعض الأحيان أبعاداًعلنية. زادت الخيارات التونسية من حرج الخيارات التركية المحاصرة بمواقف أيديولوجية لا تتسق مع ما مفترض أن تتحلى به دولة إقليمية كبرى كتركيا. وجدت أنقرة نفسها متخبطة في ميدانيّ سوريا والعراق، ركيكة التواصل مع دول المنطقة، عاجزة عن منافسة الاختراقات الإيرانية، التي باتت "ضرورية"، معترف بنجاعتها دولياً، في زمن الحرب ضد داعش.

يعتمدُ الحكم في تركيا على خطاب سنّي (منافس لذلك السعودي) كان علنياً واضحاً في مقاربة الشأنين العراقي والسوري. بدا أن أنقرة باتت تستثمر في ميادين عدة لتعظيم شبكتها داخل أوساط السنّة في العالم العربي عموماً (بما فيها الصومال)، من خلال جماعة الاخوان المسلمين، وداخل الدول المجاورة في العراق وسوريا (ولبنان) من خلال الجماعات الإسلامية (بما فيها داعش حسب اتهامات تكيلها الأوساط القريبة من إيران).

يصطدم الاعتماد على سنّية المسعى والمنهج، حكماً ومنطقاً، مع الشيعية السياسية التي تقودها طهران دون خجل أو التباس. وعليه فإن صدام المنهجين بات حقيقة واقعة تستلزمُ اصطفافاتٍ واضحة المعالم لا يشوبها ما يناقضها أو ما يخصّبها بالتباس مربك.

لا تستطيع أنقرة المضي في رؤيتها السنّية دون تواصل وتحالف موضوعي مع مصر ودول الخليج. ففي غياب ذلك، وهو واقع الحال، ما يتناقض مع أبجديات السياسة الخارجية وفق الرؤى التركية نفسها. ولئن ذهبت تركياً مذهباً بعيداً في مناكفتها للقاهرة كرمى لعيون "الاخوان"، فإن تعديل تلك السياسة باتجاه التقارب مع القاهرة، التي يلمح نائب رئيس الحكومة التركي إلى ضرورتها، ما زال عصياً دونه اعتبارات لا يسهل تجاوزها في الظروف الآنية. بيد أن المقاربة التركية لشؤون المنطقة تروم الالتفاف على "المأزق" المصري وتحاشي ألغامه، باتجاه إعادة الوصل مع دول مجلس التعاون الخليجي عامة والسعودية خاصة.

لم يظهر التحوّل التركي اللافت هذا في رمزية قطع الرئيس التركي أردوغان لجولته الأفريقية للتوجه للمشاركة في جنازة الملك السعودي الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، فإن أمر ذلك قد يندرجُ ضمن تصنيفات بروتوكولية صرفة. بدأت المقاربة التركية الودودة قبل ذلك، من خلال سلسة اتصالات قادت نائب رئيس الحكومة التركي بولنت أرنتش ووزير الخارجية التركي مولود جاويش الى الكويت الشهر الماضي، فيما راج تحليل عن عزم تركيا، وبواسطة كويتية لانهاء الخلافات مع دول الخليج (ومصر). في تلك الفترة جرى اتصال بادر به أردوغان مع الأمير سلمان حين كان ولياً للعهد يسأل فيه عن صحة الملك عبدالله. كانت تركيا ترسلُ الاشارات الإيجابية للسعودية تحرياً لوئام بغضّ النظر عن موقفها المتشنج إزاء مصر، كان واضحاً أن الضغوط الداخلية التي تحاصر أردوغان من قبل المعارضة، كما العزلة التي تبعد مصر ودول الخليج عن تركيا صارت تشكل قلقاً حقيقياً لسّيد أنقرة وصحبه.

تعاملت الرياض مع خلافها مع تركيا بقناعة كاملة أن الخلاف غير طبيعي، عرضي مؤقت (الملك سلمان هو من تولى ملف العلاقة مع تركيا حين كان ولياً للعهد ووزيراً للدفاع)، فيما خرجت في السعودية أصوات تذكّر بتاريخية العلاقة بين البلدين وحميميتها بين الرياض وأنقرة (كانت الناصرية والمدّ القومي البعثي يحمّلان تركيا مسؤولية قمع العروبة قبل الاستقلال). فتحت السعودية أسواقها أمام البضائع التركية وطورت علاقاتها مع تركيا (ودعمت أنقرة في أزمة قبرص)، في وقت لم تكن تملك أنقرة فيه علاقات متقدمة مع القاهرة أو دمشق أو بغداد.

تناقضت السعودية وتركيا في السنوات الأخيرة في مقاربة عدة ملفات، وقبل ذلك لم ترتح الرياض لموقف أنقرة المحايد والداعم لطهران والمتطوّع لوساطة بين إيران والغرب في مسألة الملف النووي. أختلف الطرفان أيضا في مقاربة الشأن السوري، على الرغم من اتفاقهما على ازاحة نظام الاسد، وعملا بتنافس مسرف في تفعيل نفوذهما داخل الإئتلاف السوري المعارض أو لدى الجماعات العسكرية المعارضة لتغذية هذا التنافس. تم الحديث عن سحب/اقفال المراكز المخابراتية السعودية المشرفة على الملف السوري في تركيا، على نحو عكس حجم الهوة التي تتسعُ بين الرياض وأنقرة. ومع ذلك بقيّ الخلاف همساً تتناقله التقاربر الصحفية ولم يصل إلى مستويات الردح العلني.

ربما لاحظ المراقبون أن الجانب السعودي تلقف مبادرة الرئيس أدوغان في الإلتحاق سريعاً بجنازة الملك الراحل، وقام بادخاله إلى المكان المخصص للأمراء أثناء صلاة الجنازة كعلامة اهتمام فوق العادة بالضيف التركي (أعلنت تركيا بعد ذلك يوم حداد في البلاد على الراحل)، على نحو يوحي بأن ما هو عرضيٌّ مؤقت من تباين وخلاف بات ذكرى صار بالإمكان تجاوزها وربما نضجت ظروف تحويلها إلى ما قد يشبه الحلف بغضّ النظر عن الموقف التركي – السعودي المتناقض من مصر.

بات العامل الإيراني الذي يطلُ في العراق وسوريا ولبنان واليمن يلحّ على الجانبين بضرورة التحالف والتآلف والاتفاق على ما هو مشترك بين البلدين. أدرك البلدان محدودية قدراتهما على تعطيل خيارات بعضهما البعض، في وقت يتعزز فيه باضطراد النفوذ الإيراني الروسي الداعم لنظام دمشق. وربما استشعرت السعودية جسارة الإطلالة الايرانية على حدودها من خلال الحليف الحوثي في اليمن، لتقارب حلفاً بات ضرورياً مع تركيا يوحّد جهود الدول السنّية الأساسية في المنطقة، والذي لن تكون مصر حُكماً بعيدة عنه يوما ما.

يقتربُ البلدان، تركيا والسعودية، على نحو يقود الى الإقرار بنفوذ وهواجس الجانبين. لن تسطيع تركيا أن تمررَ عثمانية لا تطيقُ المنطقة استعادة ذكرياتها، ولن تقدر السعودية على فرض خيارات تتناقض مع مصالح تركيا في المنطقة. وفي سعيّ البلدين النشيط للتوافق والتقارب رسالة إقليمية حازمة، ليس لإيران فقط، بل للولايات المتحدة وحلفائها، من مغبة إنزال إتفاق دولي مع طهران على المنطقة، لا يأخذ بعين الاعتبار مصالح كتلة أساسية في المنطقة تبدأ في تركيا ولا تنتهي بالمغرب مرورا بالأردن ومصر وكافة دول الخليج.

قرأ المراقبون للعلاقات التركية السعودية تبدلاً أساسيا في مزاج الرياض إزاء أنقرة، من خلال التغييرات الكبرى التي جرت في مواقع الحكم السعودي وفق مراسيم الملك سلمان. لوحظ أن الشخوص المعنية بشؤون الدبلوماسية والأمن تمثّل عهداً يتيح انفتاحاً على تركيا. راقب أهل جدة وصول سفينة حربية تركية ترسو في مرفئهم من ضمن خطة مناورات مشتركة تطبيقاً لاتفاق تعاون مشترك كان قد وقعه الملك سلمان حين كان ولياً للعهد وزيرا للدفاع (اللافت في وصول هذه السفينة الحربية التركية، اهتمام السفارة التركية من الناحية الإعلامية، حيث أرسلت دعوات لكل الصحافيين في المنطقة الغربية من أجل حضور تدشين الوصل.).

في السعودية من يستشعر علامات حلف قادم لا تخفى أبعاده العسكرية وما لذلك من تداعيات على التوازن الاقليمي العام. وفي السعودية من ما زال يجد أن تضارب المصالح والرؤى بين البلدين ما زال كبيراً قد لا يتسق مع تفاؤل المتفائلين. على هذا جدير مراقبة كل تفصيل يومي في شأن تحوّل قيّد التشكل بين الرياض وانقرة.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

الاسم 1
الدولة 2

حشرت تركيا - اردوغان نفسها بعد الاطاحة بحكم الإخوان المسلمين في مصر بحيّز ضيق أصابها بعزلة \\ السفيانيه دين الاتراك والاخوان السفيانيين بذرة الصهيونية الدوليه

2015-02-13

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
أزمة الخليج مع قطر: في بقاء مجلس التعاون من اندثاره!
2017-07-17
اللجوء السوري في لبنان: ليس في كل جدل عنصرية
2017-07-14
داعش ينتهي.. إيران تقلق!
2017-07-07
واشنطن لموسكو وطهران: الأمر لنا في سوريا
2017-06-30
ذئاب داعش المنفردة أخفت ذئبا بريطانياً وراءها!
2017-06-23
هل بات مسموحا استقلال الأكراد عن العراق؟
2017-06-16
قانون الانتخابات في لبنان: كيف التحوّل من بلد إلى بلدية؟
2017-06-09
الإرهاب في لندن: مراجعات بريطانيا المعلنة ومراجعات المسلمين المتأخرة!
2017-06-06
خطط سوريا المستقبل: أي دور جديد للأردن؟
2017-06-02
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
المزيد

 
>>