First Published: 2015-02-13

مسار ومصير تقرير شاباس

 

اسرائيل تعرف جيدا طبيعة ونوعية وحجم الجرائم التي ارتكبتها. أي استقصاء وتقارير ستحد من هامش مناورتها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. خليل حسين

ليست سابقة أن تعترض إسرائيل على أي تقرير دولي يتعرض لها من قريب أو بعيد. والتدقيق في سجل تشكيكها واعتراضاتها حافل بالمواقف التي وصلت في بعضها إلى حد التصفيات الجسدية لمن حاول القيام بما يملي عليه ضميره. بداية كانت مع المبعوث الدولي، فولكي برنادوت، الذي اغتالته جماعة شتيرن الإرهابية في العام 1948، عندما شعرت المنظمات الصهيونية الإرهابية أن تقريره لن يكون لمصلحتها، مرورا بتقرير غولدستون حول جرائمها في عدوان 2009 على قطاع غزة، وليس آخرها الاعتراض على، وليام شاباس، رئيس لجنة التحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها أيضا في قطاع غزة مؤخرا.

خلفيات استقالة شاباس من رئاسة اللجنة

في الواقع، إن إسرائيل التي تعرف جيدا طبيعة ونوعية وحجم الجرائم التي ارتكبتها يحد من هامش مناورتها، وحتى من يؤيدها ويدعمها في المحافل الدولية، لذا بات الاعتراض على تأليف لجان التحقيق في الأعمال الحربية التي ارتكبتها سياسة ثابتة، على الرغم من أن عمل هذه اللجان يشمل أعداءها أيضا، . وبحكم أن أي تقرير، حتى ولو تحلى بالحد الأدنى من الموضوعية، سيؤدي إلى إدانة إسرائيل، فمن هذا المنطلق عارضت تل أبيب دائما ومسبقا النتائج التي يمكن أن تستخلصها اللجان الدولية.

وكما جرى ذلك سابقا في الكثير من الحالات المماثلة، جرى الاعتراض ومن ثم التحريض على رئيس لجنة تقرير الأعمال الحربية في قطاع غزة، الخبير القانوني وليام شاباس، بعدما اشتمت إسرائيل رائحة التقرير الذي لن يكون لمصلحتها، فمارست ضغوطا هائلة عليه من اللوبيات اليهودية المعروفة في الولايات المتحدة وكندا، ما اجبره على الاستقالة من مهامه. والملفت في الموضوع أن الحملة الإسرائيلية التي شُنت عليه، كانت على قاعدة تقديم استشارة قانونية للسلطة الفلسطينية حول مدى حقها القانوني للانضمام إلى الأمم المتحدة كدولة كاملة العضوية، فكانت الاستشارة سببا لوصفه بأنه شخص غير محايد في القضية التي يحقق فيها، بل اعتبرته منحازا وبالتالي عليه الاستقالة. يشار إلى أن شاباس اسرَّ في تصريحات صحافية له، انه تلقى تهديدات جدية ومتنوعة ما دفعه للاستقالة.

مواقف إسرائيلية مرحبة

لم يكتفِ المسؤولون الإسرائيليون باستقالة شاباس، بل استغلوا الاستقالة لتصويب السهام على اللجنة ذاتها. فدعا رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، إلى وقف عمل اللجنة، داعيا في بيان صادر عن مكتبه، أنه "بعد استقالة رئيس اللجنة الأممية الذي كان منحازاً ضد إسرائيل، يجب الآن شطب تقريره"، مشيرا إلى أنه "في 2014 مررَّ هذا المجلس قرارات ضد إسرائيل كان عددها أكثر من جميع القرارات التي مررها ضد كل من إيران وسوريا وكوريا الشمالية". متجاوزا في موقفه حقيقة أن هذا العدد من القرارات مرده أن إسرائيل قد ارتكبت من الجرائم ما يستوجب ذلك. أما وزير الخارجية، أفيغدور ليبرمان، فرأى أن استقالة شاباس "لن تغير خلاصات التقرير"، باعتبارها "منحازة مسبقاً وتتلاءم مع الهيئة التي ألّفت اللجنة الرامية إلى مناكفة إسرائيل والمسّ بها". فيما اعتبر شاباس أن "عملية جمع الأدلة الخاصة بالحرب الأخيرة على قطاع غزة انتهت"، وأنه "ليس معنياً بأن يؤثر الاعتراض الشخصي تجاهه في نتائج التحقيق".

إسرائيل والرئيسة الجديدة للجنة التحقيق

يبدو أن القراءة الإسرائيلية لاستقالة شاباس، وتعيين القاضية الأميركية ماري ديفيس، رئيسة جديدة للجنة وكأنها حققت نصرا دبلوماسياً. فبخلاف شاباس تعتبر ديفيس من وجهة نظرها "أكثر توازناً"، ما يستدعي في الحد الأدنى البحث عن ميولها الحقيقية، على قاعدة أن وجهة النظر الإسرائيلية لمفهوم التوازن وطبيعته يعني في مطلق الأحوال الانحياز لجانبها؛ وهو ما ظهر بشكل جلي في المواقف التي أطلقتها ديفيس في معرض إشادتها بالتحقيق الذي أجرته إسرائيل حول عملية "الرصاص المصبوب"، وفي المقابل انتقدت المنظمات الفلسطينية على إهمالها التحقيق. وبحسب التقارير الإسرائيلية، فإن القاضية ديفيس على معرفة تفصيلية بالعلاقات المعقدة بين قطاع غزة وإسرائيل. كما سبق وأن ترأست في خلال الأعوام المنصرمة لجنة مجلس حقوق الإنسان، التي عملت على تنفيذ توصيات تقرير لجنة غولدستون الخاصة بعملية "الرصاص المصبوب" في قطاع غزة. يشار إلى انه من الناحية القانونية ينبغي على إسرائيل الالتزام بالتعاون مع اللجنة ورئيستها، باعتبارها اثنت على حيادية القاضية وأسلوب عملها.

مصير ومسار التقرير

في المبدأ، يعتبر عمل اللجان الدولية من وجهة نظر القانون الدولي عملا استمراريا، رغم وجود بعض الاستثناءات التي تقطع إلزامية الاستمرار وإنهائه أو تعديله. وفي حالة لجنة التحقيق فمن الواضح أن تعيين رئيسة جديدة للجنة، يعني أن عمل اللجنة سيستمر لنهاياته القانونية المفترضة بصرف النظر عن العوامل والمؤثرات التي يمكن أن تخضع لها اللجنة في طبيعة ووسائل وآليات عملها.

لقد أتت استقالة شاباس في النقطة الحرجة للتقرير، فقد أنهى المفاصل الإجرائية والتقنية، ويعتبر انجازه من الناحية العملية الهيكل العظمي الذي يمكن البناء عليه في المسار القانوني اللاحق لو استمر هو شخصيا في المتابعة، إلا أن استقالته تشكل نكسة عملية لجهة إصداره والمتابعات اللاحقة له. فعلى الرغم من التأكيدات والتسريبات الصحفية بأن التقرير سيعلن في 23 آذار/مارس المقبل، ثمة شكوك قوية بأن هذا التاريخ سيمتد لمواعيد لاحقة بحكم الإجراءات التي يمكن أن تتخذها الرئيسة الجديدة للجنة، سيما وان هذا التاريخ المفترض، يتزامن مع الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، والتي ستعمل هذه الأخيرة بكل قواها لتأخيره والعبث بمساراته الزمنية والقانونية.

إن الاستقالة يمكن أن تضعف التقرير، وربما شطب بعض الوقائع والقرائن فيه، وتجنّب استعراض القضايا التي تدين إسرائيل بشكل واضح ودقيق، فضلا عن استخدام الاستقالة كمادة إعلامية ضد السلطة الفلسطينية. إلا أن الجانب المادي والموضوعي للتقرير، مهما كان كاتبه وميوله لن يكون بمقدوره التجاهل التام لما قامت به إسرائيل من انتهاكات، وبالتالي سيتضمن شكلا من أشكال الإدانة، وان كانت مؤولة على غرار العديد من التقارير السابقة التي تمتعت إسرائيل بالاستثناء المعتاد والمعطى لها منذ نشأتها وقبولها عضوا في المنظمة الدولية، والذي كان بالمناسبة مشروطا بقبولها القرارين 181 و194، وهي ميزة انفردت بها إسرائيل وحدها في الأمم المتحدة آنذاك، كتعليق الانضمام على شرط قبول القرارين المذكورين، الأمر الذي يخالف ميثاق الأمم المتحدة.

سابقة تقرير غولدستون والسيناريوهات المستقبلية

دعت الجمعية العامة السلطة الفلسطينية وإسرائيل إلى "... اتخاذ كافة الخطوات اللازمة، خلال ثلاثة أشهر، لإجراء تحقيقات مستقلة وموثوقة تنسجم مع المعايير الدولية، في الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان التي تضمنها تقرير غولدستون، بهدف ضمان تحقيق المساءلة والعدالة". وأوصى قرار الجمعية العامة حكومة سويسرا بصفتها الحكومة الوديعة للاتفاقية المتعلقة بحماية المدنيين خلال الحرب، بأن تتخذ الخطوات اللازمة في أقرب وقت ممكن ليعقد من جديد مؤتمراً للأطراف المتعاقدة السامية في اتفاقية جنيف الرابعة بشأن تدابير إنفاذ الاتفاقية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية وكفالة احترامها وفقاً للمادة الأولى. كذلك طلبت إلى الأمين العام أن يقدم إلى الجمعية العامة، في غضون ثلاثة أشهر، تقريراً عن تنفيذ القرار، لكي يتسنى لأجهزة الأمم المتحدة وهيئاتها المعنية، بما فيها مجلس الأمن، النظر في اتخاذ إجراءات أخرى، إذا لزم الأمر.

وكان من المفترض بعد اعتماد التقرير أن يحيله الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون على مجلس الأمن الدولي لاتخاذ الإجراءات اللازمة التي يمكن أن تكوّن الإحالة على المحكمة الجنائية الدولية. ولكن لغاية الآن لم يرفع التقرير إلى مجلس الأمن، ولم يتحرك المدعي العام في محكمة الجنايات الدولية من تلقاء نفسه، وثمة عقبات هائلة تحول دون المضي في هذا الملف.

وانطلاقا من هذه السابقة، فإذا قام مجلس حقوق الإنسان بواجبه ضمن صلاحياته، وشكَّل لجنة تقصي حقائق. وقامت اللجنة بواجبها، ورفعت التقرير المفترض إلى المجلس، وأحال مجلس حقوق الإنسان الموافقة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ليحيله بدوره على مجلس الأمن، ليتخذ الإجراءات اللازمة. إلا أنّ عدم قيام مجلس الأمن بواجبه تجاه هذه الأحداث الجسيمة، يعتبر مسألة سياسية تماماً بالنظر إلى ما حدث فعلا مع سابقة تقرير غولدستون السالف الذكر.

ولو افترضنا جدلا، أن مجلس حقوق الإنسان سيقر التقرير، وطلب الأمين العام إلى مجلس الأمن، أن يتخذ الإجراءات اللازمة، فإن ذلك لا يعني أن مجلس الأمن يمكن أن يحيل الملف على المحكمة الجنائية الدولية بسبب "الفيتو" الغربي المعتاد في مثل هذه الظروف.

كما إن الجمعية العامة، وكذلك مجلس حقوق الإنسان، لا يملكان تحريك الدعوى الجنائية بناءً على هذا التقرير، أمام المحكمة الجنائية الدولية؛ باعتبار أن المادة (13) من نظام المحكمة، حددت طرق تحريك الدعوى بشكل حصري. لكن التقرير المفترض لن يفقد صلاحية الإقرار من قبل مجلس حقوق الإنسان في أية مناسبة لاحقة، باعتبار أن التقرير لا يسقط بتقادم الزمن، وسيظل وثيقة قانونية وازنة، تُقدم كدليل من قبل الأفراد والمنظمات والسلطة الفلسطينية وأسر الضحايا إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، ضمن اختصاصه في المادة (15) من نظام روما، ويمكن كذلك تقديمه دائماً وفي كل وقت، كدليل مستقل إلى القضاء الوطني في أي دولة طرف في اتفاقية جنيف الرابعة واتفاقية الأمم المتحدة لإبادة الجنس، ويجوز أيضاً الاحتجاج بهذا التقرير لطلب التعويض المدني عن الأضرار وعن الأعيان الثقافية التي تهتم بحمايتها المنظمات المختصة العالمية والعربية والإسلامية.

 

د. خليل حسين

استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

 
د. خليل حسين
 
أرشيف الكاتب
تحديات قمم ترامب في الشرق الأوسط
2017-05-27
الاتحاد والمملكة غير المتحدة
2017-04-05
خلفيات التوتر التركي الأوروبي وتداعياته
2017-03-21
دلالات الفيتو المزدوج في مجلس الأمن
2017-03-05
إلى أين بحل الدولتين؟
2017-02-20
حدود التوتر الأميركي الإيراني وآفاقه
2017-02-19
ديموقراطية أميركا وشوفينية ترامب
2017-01-30
مؤتمر أستانة محطة عابرة في الأزمة السورية
2017-01-23
إسرائيل ومعاقبة الأمم المتحدة
2017-01-19
روسيا وعقيدة بوتين المجدّدة
2017-01-12
المزيد

 
>>