First Published: 2015-02-16

ما الذي فعلناه بأنفسنا؟

 

هل كان علينا أن نكرر أخطاءنا، أخطاء آبائنا كما لو أنها جزء من صلاة يومية؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

أما أن نكون قد غادرنا التاريخ، من غير أمل بعودة قريبة، فإن ذلك لا يحسب لسوانا، أياً كان. لم يخرجنا أحد من التاريخ عنوةً، بل خرجنا طواعية وبإرادتنا المهترئة وبفساد ما فعلناه بأنفسنا وبمن سيأتي من بعدنا من سلالاتنا المقهورة.

وإذا ما كان هناك أحد يستفيد من غيبوبتنا التاريخية التي سيطول امدها، فليس بالضرورة أن يكون ذلك المستفيد هو مَن دفع بنا إلى الانتحار الذي صار واضحا أنه مستلهَم من تراثنا وعقائدنا ووقائع ماضينا وطريقة نظرتنا إلى الحياة ونزعتنا إلى العدم.

تلك الشجرة وهذه ثمارها.

لقد زرعنا بصلا، خُيل إلينا أنه سيثمر تفاحا.

كنا دائما في مهب العصف. في القرن العشرين تأسست دولنا الوطنية الحديثة، بعد أن استنفد زمن الاستعمار كل مقومات وتفسيرات وجوده ولم تكن نضالاتنا المخترقة بالتناحر الأخوي هي التي أفضت بنا إلى حرية نسبية ستكون هي الأخرى معتقلة معنا بسبب ما املاه علينا تحررنا الوطني الذي قام على اساس الحزب الواحد والزعيم القائد من خيارات وطنية أفضت بنا إلى احياء شريعة الاستبداد.

فصرنا إذ نعجز عن فهم ما يجري لنا وبحقنا من قهر وظلم وعبودية وقمع واضطهاد وتجهيل وحرمان نلجأ إلى تفسير الاستبداد بالعودة المضللة إلى ماض، انقطعت صلتنا به منذ قرون عديدة. ماض لا يمكن الحكم عليه إلا في اطار زمنه.

حينها فقط نطمئن إلى أننا ما زلنا متمسكين بأصالتنا، محافظين على مفردات هويتنا، مخلصين لما تركه الاسلاف من ارث، هو في جزء كبير منه لا يصلح أن يكون معيارا للحكم العقلاني في زمن صارت فيه الشعوب تتبارى من أجل الاعلاء من شان التزاماتها بحقوق الإنسان.

ولأننا لا صلة لنا تاريخيا بحقوق الإنسان بسبب تعارضتلك الحقوق مع شريعة الاستبداد، فقد هانت علينا أنفسنا وضحينا بأساليب العيش الكريمة المتاحة ووضعنا الحرية في قفص وصرنا مجرد أكف تصفق وأفواه تهتف وعيون تدمع من شدة الوله بزعمائنا الملهَمين، نادري الصفات والبلاغة والحدس.

هل كان علينا أن نكرر أخطاءنا، أخطاء آبائنا كما لو أنها جزء من صلاة يومية؟

أليس من الفضيلة أن نعترف الآن أن كل ما جرى لنا ويجري من حولنا من اهوال وكوارث هو مرآة لإفعالنا وافكارنا وصفاتنا وتطلعاتنا ومكائدنا ودسائسنا وعدم اخلاصنا لشروط وضعنا البشري، ولم يفعله بنا أحد؟

ولكن اعترافا من هذا النوع سيدفع بنا إلى يقظة ايجابية تتناقض كليا مع فكرتنا عن صحوة تعود بنا إلى ما قبل اربعة عشر قرنا. وهو ما يدفع بنا إلى انتماهى مع الماضي، باعتباره الملاذ الآمن الأخير لحياتنا الممكنة.

كما لو أننا سئمنا العيش في حاضر لا نرغب أن نكون فيه شهودا على هزائمنا، صار النبش في الماضي بحثا عن لحظات ضوء ذريعة لأن نغمض عيوننا عما تفعله أيادينا. هذا الانفصال صار عقيدة لكائنات فارقتنا لتعيش زمنا يقع خارج الزمن.

لقد فعلنا بانفسنا ما لا يفعله العدو بعدوه.

ما من شيء امتدت إليه أيادينا حتى تحول الى رماد. معجزاتنا السلبية صارت مثار دهشة وسخرية الآخرين. فمَن يخحي بما يعرف لصالح ما يجهل هو أشد الناس حماقة. وهو ما انتهينا إليه حين وضعنا ثرواتنا في عقائد خلافية بثت السموم في عروقنا وجعلت إنسانيتنا تتراجع فيما كانت إنسانية الآخرين تعيش زهو تساميها المستمر.

ما فقدنا من البشر، ما هدمنا من المدن، ما احرقنا من الحقول، ما خسرنا من ثروات. كل هذا يشير إلى تعاظم البهيمية التي دأب بعضنا على تغليفها بورق النصوص الصفراء.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
ليتها لا تكشف عن الأدلة
2017-08-21
ليست وحدة العراق من أهداف حزب الدعوة
2017-08-20
متى تتخلى قطر عن الاخوان؟
2017-08-19
الاكراد يغلقون باب العراق الموحد
2017-08-17
دولة فاسدة في العراق، ما أخبار المجتمع؟
2017-08-16
هناك شعب يصفق من أجل أن يحيا
2017-08-15
لن تقوم دولة الأكراد إلا بعد انهيار العراق
2017-08-14
الوحش الذي ابتلع لبنان
2017-08-13
ما بعد الصدر ما قبل السعودية
2017-08-12
ارهابيون ديمقراطيون على شاشة الجزيرة
2017-08-10
المزيد

 
>>