First Published: 2015-02-19

تراجع السيطرة الأميركية على ملف الإرهاب

 

كأن تنظيم داعش في ليبيا وقع في شر أعماله، وأوقع معه الولايات المتحدة في شرورها السابقة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

خلال خمسة عشر عاما مضت، تمكنت الولايات المتحدة من الإمساك بمفاصل أساسية في ملف الحرب على الإرهاب، وتدخلت في دول مختلفة، وخاضت حروبا عدة، في أفغانستان والعراق، ووجهت ضربات متقطعة في أماكن متعددة، وتقود حاليا تحالفا هشا للحرب على تنظيم داعش، في كل من العراق وسوريا.

في جميع المراحل المنصرمة، كانت الاستجابة الدولية والإقليمية للمطالب والرغبات الأميركية جيدة، مع أن الكثير من الدول لم تكن مقتنعة تماما بالمنطق الذي تسوقه واشنطن، لكن المصالح المتشابكة، والحوافز المغرية، والتهديدات المعلنة والمبطنة، أفضت إلى تفهم دول كثيرة للمنطق الذي ساقته الولايات المتحدة للحصول على دعم واف في حروبها ضد الإرهاب، الحقيقية والاستعراضية.

وكان هناك عدد محدود من الدول خرج عن بيت الطاعة الأميركي، ورأى أن التصورات والتصرفات التي تدار بها حروب مكافحة الإرهاب ليست صائبة، لأنها انتقائية، ولا تعالج القضية من جذورها، وخاضعة لحسابات تتعلق بأجندة وأهداف محددة سلفا. والأهم أن واشنطن تكاد تكون مسئولة عن انتشار بعض التنظيمات المتطرفة، بالصمت أحيانا، وتغذية عوامل شيوعها عبر سياسات خاطئة في غالبية الأحيان.

لم يكن التململ من التوجهات الأميركية في غالبية الحروب التي جرت خلال السنوات الماضية واضحا، فقد ابتلعت دول عدة، في الشرق والغرب، طعم الحرب في أفغانستان والعراق، وتدخلات الطيران والحروب السرية في باكستان واليمن وليبيا، إلى أن أعلنت الولايات المتحدة عن قيادة تحالف دولي ضد عناصر داعش وجبهة النصرة، في العراق وسوريا.

هنا بدأ التململ يخرج من إطار السرية إلى العلن، وكانت مصر واحدة من الدول التي أبدت امتعاضا مبكرا، على الطريقة التي تدير بها واشنطن هذا التحالف، وحاولت تصويب الرؤية التي ركزت على التنظيمات المتشددة في العراق وسوريا، وضم دول أخرى، تحوي أراضيها تنظيمات لا تقل تطرفا عما هو موجود في هاتين الدولتين، وسعت إلى توسيع نطاق زاوية النظر، وعدم اقتصارها على الشق الأمني فقط، ومدها إلى النواحي السياسية والثقافية والاجتماعية، والبحث في الأسباب الجوهرية، التي أفضت إلى تضخم الكثير من الحركات الإسلامية.

لكن لا حياة لمن تنادي، فقد مضت مصر في الترويج لرؤيتها الدقيقة، ومضت الولايات المتحدة في التشبث بنظريتها المشوشة، وتفهمت بعض الدول دواعي رؤية مصر، فمنها من أعلن دعمه لها، ومنها من لم يجرؤ على الإفصاح عن قناعته بها. في حين أصرت واشنطن على التمسك بخطتها، التي أثبتت فشلا ذريعا، في الجولة الأولي للحرب على الإرهاب، في بداية الألفية الجديدة. فلا أفغانستان حققت استقرارا أو أمنا، ولا العراق تحول إلى واحة للديمقراطية، بل تحولا إلى مصدرين مهمين لتهديد عدد كبير من دول الجوار، ومنهما خرجت فلول الإرهابيين تجوب العالم.

في الجولة الثانية (الحالية) ازداد تنظيم داعش شراسة في العراق وسوريا، وامتدت عناصره إلى دول أخري، أبرزها ليبيا، ومنحت الحرب التي تقودها الولايات المتحدة زخما لمزيد من التعاطف مع هذا التنظيم، لأنها اقتصرت على الشق الأمني، وأصبحت روافده تصدح، وتتحدى من يقترب منها.

كأن تنظيم داعش في ليبيا وقع في شر أعماله، وأوقع معه الولايات المتحدة في شرورها السابقة، التي غض العالم الطرف عنها، لاعتبارات كثيرة، أهمها أنها احتفظت لنفسها بأوراق خولتها، امتلاك توكيل مكافحة الإرهاب، بعد تعرضها لتفجيرات سبتمبر 2001 الشهيرة، ولم يستطع أحد أن يناطحها المغالاة في الحرب على الإرهاب لضخامة التفجيرات، وبصرف النظر عن البعد التآمري فيها من عدمه، فقد تمكنت الدعاية الأميركية من تسويق رؤية منحرفة، فرضت على الآخرين تصديقها، في جميع التدخلات اللاحقة.

يبدو أن حادث استشهاد 21 مصريا على يد داعش في ليبيا، سوف يكون فارقا، ويغير قواعد اللعبة التقليدية، التي سمحت للولايات المتحدة أن تكون رأس الحربة في أي حرب جماعية ضد الإرهاب، حيث أمسكت مصر بهذه الفرصة، واستثمرتها أمنيا وسياسيا على أعلى مستوى، فقد ثأرت للشهداء بضربات جوية موجعة، لمعسكرات داعش في بعض المناطق الليبية، وأكدت عدم تهاونها مع أي اعتداء أو مساس بالأمن القومي، ولم تنتظر تفويضا أو إذنا من واشنطن، ووعدت بالقيام بتكرار العمليات النوعية، حال التعرض للخطر من أي جهة، الأمر الذي يعني الخروج عن سياسة الحذر والخجل وضبط النفس، التي جرى الالتزام بها فترات طويلة حيال التجاوزات القادمة من ليبيا، ويعني الخروج عن عدم التقيد بالتوجهات التي وضعت مبادئها واشنطن، وأهمها أن تكون حروب الإرهاب تحت عباءتها.

على الصعيد السياسي، بدأت مصر تحركات دبلوماسية واسعة، على مستوى ثنائي، مع فرنسا وإيطاليا وروسيا والصين، وعدد كبير من الدول العربية، وعلى مستوى جماعي، من خلال منظمة الأمم المتحدة، وقمة الإرهاب المنعقدة حاليا في واشنطن، لحشد موقف دولي داعم للتدخل الدولي في ليبيا، وارتفاع درجة الاستجابة مع الخطوات المصرية، أضفى قدرا من الحيوية، وأوحى أن هناك تغيرا حقيقيا قادما في الطريقة التي أرستها الولايات المتحدة للتعامل مع البؤر الساخنة، وقامت على احتفاظها بجميع الخيوط في جعبتها، وتحديد الأسس التي تنطلق منها أي تصرفات في مجال الحرب ضد الإرهاب.

النقلة التي تتبناها مصر، وتدعمها قوى إقليمية ودولية، لا تنتصر لموقفها، وتعيد الاعتبار للتحذيرات التي وجهها الرئيس السيسي لدول العالم فقط، لكن سوف تضع الولايات المتحدة في اختيار بالغ الصعوبة، فإما أن تتجاوب مع الرؤية الجديدة – القديمة التي تضع التعامل مع الإرهاب في سلة واحدة شاملة، بلا تفرقة بين داعش في العراق وسوريا، وبين داعش في ليبيا، أو تترك قوى أخرى، في مقدمتها مصر وفرنسا وإيطاليا وروسيا، تخوض الحرب ضد الإرهاب، بطريقة صحيحة وشفافة، أكثر فائدة لاستقرار المنطقة والعالم، وفي الحالتين سوف تفقد الولايات المتحدة جزءا من سيطرتها التقليدية في مجال احتكار ملف الحرب على الإرهاب، بعد تآكل دورها.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
المزيد

 
>>