First Published: 2015-02-28

خصوصية الإرهاب الداعشي في مصر

 

تنظيم داعش يعرف تماما سياسة الجر والتوريط والاستثمار، فهو لعبها باحترافية في الساحة الأردنية، واليوم يستنسخها باحترافية اكبر وأضخم في الساحة المصرية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. خليل حسين

ليست صدفة أن يتابع تنظيم داعش مسلسلاته الإجرامية مباشرة بعد بث شريط حرق الطيار الأردني، ولم يكن أيضا اختيار الساحة المصرية من البوابة القبطية صدفة أيضا، فهي صورة نمطية أراد حفرها في الذاكرة الجمعية لمن يواجهه، وهذه المرة بأشكال أكثر إيلاما وقسوة في ارتداداتها وتداعياتها ورد أفعالها المحتملة.

لقد استفاد تنظيم داعش إلى أقصى الحدود من عملية حرق الطيار الأردني، إذ جرَّ هذه الأخيرة إلى مواجهات مباشرة معه، بعد سلسة من محاولات النأي؛ ذلك تكرر مع الذبح الجماعي للأقباط، العملية التي لها دلالات فارقة من الصعب تقدير أحجامها النهائية منذ الآن.

فعملية الذبح الجماعي المصورة، هي سابقة لجهة العدد، الذي أريد من ترويجه تهييج وتأليب الشارع المصري وبخاصة الأقباط منه، وخلق حالة من الغليان المجتمعي في مصر، سيما وان بيئة الصدام تراكمت منذ سنوات مؤخرا، رغم حالات الاحتواء التي أسهمت في تبريد الأجواء بعد الحراك الداخلي، بمختلف خلفياته ونتائجه السياسية التي استلمت الحكم منذ عزل الرئيس حسني مبارك وطاقمه السياسي.

والصور التي بثت لترويج آثار الجريمة، تختلف عن سابقاتها من الصور، ومفارقاتها التي لا تعتبر غريبة بالضرورة قياسا على عمليات الترويج السابقة، أنها حاولت إيصال صور البحر الذي طغى عليه لون الدم، وهي رسالة إجرامية لمكنونات الإيديولوجية الداعشية ووسائلها القائمة على فن الصدمة والترويع، وهي وسيلة استعملت في غزو الولايات المتحدة للعراق في العام 2003، والتي هدفت القضاء على الخصم بأقل الخسائر الممكنة إن لم تكن معدومة. وهي بذلك رسالة مزدوجة للداخل المصري، وللضفة الشمالية للبحر المتوسط بشقه الأوروبي الذي لا يبعد سوى مئات الكيلومترات عن مسرح الحدث.

والمسألة هنا لا تقتصر فقط على حجم وعدد المذبوحين، إنما تم انتقاء الضحايا لجهة دينهم وليس لأي سبب آخر، بهدف استغلال هذا العامل المؤثر في سياق الاستثمار الإجرامي لاحقا، وعلى الرغم من أنها ليست الحالة الأولى التي يتم ذبح مسيحيين، إذ جرت عدة عمليات منفردة لضحايا غربيين، كانت تمرر صفتهم الدينية إلى جانب انتمائهم لدولة بعينها. لكن هذه المرة كان التصويب مباشرة على الصفة الدينية ليس إلا.

والمسألة الأكثر احترافية كانت في انتقاء المكان الجغرافي، الذي يمثل حساسية مفرطة لمصر وأيضا لليبيا نفسها، وبخاصة ما يرتاب هذه العلاقة من شوائب مردها خلفيات وأسباب مختلفة راكمتها ظروف كثيرة في السابق، يصعب بلعها وهضمها في أي سياق رد فعل مصري على الجريمة، وما يقابله من رد فعل ليبي أيضا، وهو ما بدأت صوره تظهر بشكل متسارع حول كيفية التدخل لمواجهة داعش في شمال إفريقيا وفي الساحة الليبية تحديدا، فهل يستوجب ردا منفردا من قبل مصر، أم يتطلب الأمر تحالفا دوليا على غرار ما تمَ إنشاؤه في القرار 2170، وهو أمر يبدو خلافيا في مجلس الأمن حتى الآن.

من الواضح، أن تنظيم داعش يعرف تماما سياسة الجر والتوريط والاستثمار، فهو لعبها باحترافية في الساحة الأردنية، واليوم يستنسخها باحترافية اكبر وأضخم في الساحة المصرية، وبهذا تمكن من وضع نفسه كتنظيم إرهابي بمواجهة دول وازنة في المنطقة بعد سلسلة انتكاسات تعرّض لها مؤخرا؛ علاوة على قدرته في تكوين بيئات قوية لاقتتال دول ومجتمعات بعضها ببعض، ويبدو أن جريمته الأخيرة ستجر شمال أفريقيا وبخاصة العربية إلى ساحات لعمليات إرهابية من الصعب أن يُغض النظر عنها في الدول والمجتمعات المستهدفة، الأمر الذي ستكون له ارتدادات اجتماعية وسياسية لا يستهان بآثارها مستقبلا.

 

د. خليل حسين

استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

 
د. خليل حسين
 
أرشيف الكاتب
إسرائيل ومعاقبة الأمم المتحدة
2017-01-19
روسيا وعقيدة بوتين المجدّدة
2017-01-12
تحديات الأمين العام للأمم المتحدة
2017-01-11
الخلفيات القانونية والسياسية للقرار 2334
2017-01-09
مآلات العقوبات الأميركية على إيران والاتفاق النووي
2016-12-20
المعلن والمضمر في قانون جاستا الأميركي
2016-10-13
الأمم المتحدة وقمة اللاجئين
2016-10-07
مثلث القوة الناشئة والأزمة السورية
2016-10-05
مثلث القوة الناشئة والأزمة السورية
2016-09-15
بين انجيرلك وهمدان
2016-09-06
المزيد

 
>>