First Published: 2015-03-05

هل كان البعثيون في العراق وحوشا؟

 

لم يعد البعث اليوم إلا ذكرى، لن ينفع الحنين إليها ولا شيطنتها أحد.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

غالبا ما يُحذر سياسيو العراق الجديد من عودة البعث. وهم يستعملون ذلك التهديد في الاشارة إلى خصومهم وكل من يختلف معهم. وهم أيضا يسعون الى التغطية على فسادهم وتبرير فشلهم في انشاء دولة بديلة لتلك التي حطمها الغزو الاميركي من خلال اظهار انشغالهم بمسألة منع البعثيين من العودة إلى الحكم.

فهل كل ما يقال عن تلك العودة حقيقي؟

قبل التلويح بعودته بإعتبارها كابوسا، جرت عملية شيطنة البعث بطريقة متقنة لكي يكون الامر الاميركي باجتثاثه ميسرا ومقبولا.

لقد ساهمت جهات عديدة في تصنيع صورة البعثي الشرير وادماجها بصور خبيثة أخرى لكائنات شريرة لم تكن لها أية علاقة بالبعث كمقاتلي تنظيم القاعدة وذلك من أجل أن يُقدم البعث بإعتباره مجرد عصابة. غير أن أسوأ فقرة كان قد تم التركيز عليها تتلخص في محاولة خلق تطابق شامل بين البعث وأتباع المذهب السني في العراق، ليكون البعث من بعدها حزبا سنيا.

وبالرغم من عدم حماستي لفكرة التحزب فأنا أرى من موقع الشاهد الذي عاش الاحداث مباشرة أن صورة البعث كما قدمتها تلك الجهات كانت تنطوي على خيانة صريحة للتاريخ والحقيقة معا. وهي خيانة يمكن أن يشكل التصدي لها مغامرة يتفادى الكثيرون الوقوع في فخها بعد أن تمكن الزيف من الحقيقة في عصرنا.

غير أن ما عشته يحتم علي أن اعترف أن البعثيين مثلما لم يكونوا ملائكة فإنهم بالقوة نفسها ليسوا شياطين. إنهم بشر مثلنا، ارتقى بهم الحزب الذي انتموا إليه من مستوى ولاءاتهم العائلية والقبلية والطائفية الضيقة إلى مستوى الانتماء إلى الامة العربية، مرورا بتنقية شعورهم الوطني من كل شائبة.

كان حزب البعث يتألف من أغلبية شيعية، غير أنه استطاع بأفكاره القومية التي كانت على قدر كبير من التبسيط أن لا يكون حزبا شيعيا. لقد حرر أفراده من شيعيتهم وكان ذلك انجازا عظيما.

اما على مستوى ادارة الدولة والمجتمع فيمكنني القول أن العراق لم يشهد في تاريخه تنمية بشرية ومادية حقيقية مثلما شهدها في زمن البعث.

لقد سُخرت ثروة العراق كلها من أجل خطط تلك التنمية. فكان أن تحول العراق إلى ما يشبه الماكنة التي تنتج خبراء في كل المجالات، في الطب والادارة والهندسة والصيدلة وعلوم الذرة والادب والزراعة والفن والتخطيط واللغات والصناعة والبناء فكان أن تحول العراق في ظرف سنوات قليلة إلى ورشة عمل، هي الاكبر من نوعها في العالم العربي.

وعلينا أن نصدق أن الدولة التي ورثها البعث وأعاد صياغتها بما ينسجم مع أفكاره العملية كانت من الدول القليلة في العالم التي لم تخترقها مافيات الفساد، فلم يعرف العراقيون الرشوة إلا حين تم تجويعهم من خلال الحصار الدولي المحكم الذي فُرض عليهم بعد احتلال الكويت.

غير ان حزب البعث مثله مثل كل الاحزاب الشمولية (الشيوعية والدينية وسواها من الاحزاب العقائدية) لم يكن يؤمن بالحرية، لا حرية الآخر المختلف وحدها فقط، بل وأيضا حرية المنتسبين إليه. لقد حكم أعضاءه بالقبضة الحديدية نفسها التي حكم فيها الآخرين ممن اختلفوا معه.

في ذلك كان عادلا، ولكنها العدالة التي كانت تؤدي إلى الجحيم.

ولكن ينبغي أن نكون منصفين في الحكم على البعثيين من خلال النظر إلى وقائع التاريخ. لقد انتهت وصاية حزب البعث على المجتمع العراقي مع أول اطلاقة مدفع في الحروب التي خاضها العراق ولم يعد إلا اداة تنفيذية وصولا إلى نبذه وتحويله إلى مجرد واجهة تزينيية. كانت هناك عسكرة للمجتمع، لم يكن البعث يدعو إليها في أدبياته، بل كان حريصا على الدعوة على تفاديها.

لم يكن البعثيون يوم رقص الشعب كله للحروب وللطغيان إلا شريحة مجردة من قدرتها على الفعل أو التفكير الحر. لذلك فإن الحديث الملفق عن رغبتهم في العودة إلى الحكم ما هو إلا فرية يُراد من خلالها بث الرعب في قلوب ضعاف النفوس ممن ارتكبوا جرائم في حق الشعب العراقيون، ويخشون وهم يتذكرون زمن النزاهة أن يضعهم البعث في الاقفاص.

لم يعد البعث اليوم إلا ذكرى، لن ينفع الحنين إليها أحد.

غير ان ما يجب أن نكون مخلصين إليه، هو تاريخنا، بإعتبارنا شعبا يحترم نفسه. فالبعثيون لم يكونوا وحوشا لكي تتم اخافة الناس بعودتهم.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
كراهية العرب ثقافة فارسية
2017-07-22
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
قطر في حلها وترحالها
2017-07-17
ملايين نازحة وأخرى صامتة والجريمة مستمرة
2017-07-16
عرس عراقي في جنازة الموصل
2017-07-15
كارثة الموصل أسوأ من كارثة الاحتلال
2017-07-13
المغامرة القطرية وقد انتهت إلى العزلة
2017-07-12
نصر ناقص وهزيمة كاملة
2017-07-11
المزيد

 
>>