First Published: 2015-03-06

ضجيج الرياض!

 

في قراءة زيارة أردوغان إلى الرياض ما يميط اللثام عن براغماتية داهمة لدى الأتراك كما لدى السعوديين لتجاوز عقبات والالتفاف على معوقات من أجل التأسيس لتحوّل قد يحدد مشهد المنطقة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

تصلُ الطائرة التي حملت الرئيس التركي والوفد المرافق إلى السعودية متزامنة مع أول طائرة أيرانية تحطُّ في صنعاء بعد الاتفاق في شأن ذلك بين طهران وسلطة الحوثيين في اليمن. يشكّل تقارب الرياض وأنقرة رسالة شديدة اللهجة ضد إيران، فإذا ما كان الخلاف السعودي الإيراني علنيٌّ يعكسه إعلام البلدين، فتباين تركيا وإيران باطنيٌّ يُكتَمُ ضجيجه في أنقرة كما في طهران، رغم تواجه البلدين بشكل غير مباشر، وتناقض مصالحهما في سوريا والعراق.

على هذا، لا يمكن لإيران أن تنظرَ بعين الرضى إلى تقارب دولتين أساسيتين في المنطقة قد يتطور سعيهما الراهن إلى حلفً سني يواجه طموحات إيران في المنطقة، لا سيما إذا ما أضيف الحلف السعودي التركي العتيد إلى ذلك الذي يجمع تاريخياً السعودية بباكستان، والتي يلتقي رئيس وزرائها نواز شريف الملك السعودي في الرياض هذه الأيام.

وفي دعوة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي إلى نقل الحوار إلى الرياض، بعد أن رفضه الحوثيون في عدن أو تعز، إعادة تذكير بدور السعودية في ترتيب البيت اليمني الذي أدى إلى خروج علي عبدالله صالح من الحكم، وسحب بساط من تحت الأقدام الإيرانية المتسللة إلى المصير اليمني، وتأكيد لحتمية المرور دوماً عبر البوابة السعودية في شؤون اليمن الحيوية.

ينهمكُ المراقبون في قراءة مشهد المنطقة من خلال رصدٍ يومي للضجيج الجاري في الرياض. تراقبُ تياراتٌ سياسية ومشارب فكرية وعواصم نفوذ وقرار تفاصيل الحركة الدبلوماسية السعودية الجديدة، أملاً في تثبيت سياساتٍ، أو تعويلاً على تبديل خيارات. يخالُ العارفون بشؤون المنطقة أن التحوّلات الموعودة رهنٌ بما تُعدُّه الإدارة السياسية الجديدة الحاكمة، وهو إعدادٌ متأن يجري طبخه، على ما يبدو، على نار هادئة لا تحتمل تعجلاً أو انفعالاً.

تنطبعُ السياسة الخارجية السعودية الجديدة بطباع ملك البلاد الجديد. ففي الكثير من خيارات الرياض في عهد الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز ما هو ذاتيٌ يتّسقُ مع شخصية الراحل ومقارباته، ناهيك عن ظروف ومواقيت واستحقاقات موضوعية أخرى. على هذا يرثُ الملك سلمان بن عبدالعزيز كماً من المواقف والخيارات التي لا بد تحتاجُ إلى إعادة قراءة وفق المعطيات الذاتية الجديدة الملتصقة بشخص عاهل البلاد الجديد، من حيث الطباع والثقافة السياسية والمهارات القيادية، ووفق التطورات الموضوعية التي طرأت على ملفات اليمن والبيت الخليجي والأزمة السورية والعلاقة مع إيران ومكافحة الارهاب الداعشي... إلخ.

في حجيج قادة وزعماء إلى الرياض منذ تولي الملك سلمان عرش البلاد ما يفيدُ أن العالمَ ينتظرُ من السعودية الكثير لترتيب فوضى المنطقة. وفي شكل الزيارات وأجندتها ومضامينها ما يفيدُ أن الحكمَ الجديد يسعى إلى تفعيل دورٍ محوري للملكة في التحكم بسلسلة من الاستحقاقات من شأنها تطويع أدوات وتبديل استراتيجيات واستشراف تحالفات قد لا تمثّل امتداداً لسياسات ومقاربات سابقة. وفي ذلك ما يقلق البعض، وفي ذلك ما يأمله بعضٌ آخر، على النحو الذي يجعل العاصمة السعودية مرجعاً تتحدد التحوّلات وفق مزاجه.

في قراءة زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للرياض ما يكشفُ عن حاجة القاهرة لتأكيد تواصل الدعم السعودي الحاسم الذي أعلنه العاهل الراحل. بالمقابل لا يتعلقُ تمسّك الرياض بموقفها المتضامن مع مصر بالأسباب المصرية فقط، بل بأمن الخليج والسعودية الاستراتيجي. بمعنى آخر، تُدرج الرياض دعمها للقاهرة وفق منظور أمني، قد يحتاج لتدابير أخرى تراها الرياض ضرورية لتحقيق ذلك، وقد لا تلتقي تماماً مع مقاربات القاهرة. في تلك التدابير ما سيتطلّبُ فتح قنوات اتصال كانت معطّله، كما تفعيل علاقات كانت باردة.

وفي قراءة زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الرياض، ما يميط اللثام عن براغماتية داهمة لدى الأتراك كما لدى السعوديين لتجاوز عقبات والالتفاف على معوقات من أجل التأسيس لتحوّل قد يحدد مشهد المنطقة المقبل. يبدو تقارب البلدين حاجة للبلدين. تركيا تسعى لكسر عزلتها وانعاش الشلل في حركتها السياسية في المنطقة، فيما السعودية تدركُ أن بناء تفاهم مع تركيا بات من لزوميات التوازن في حقل الاختلالات الخطير الذي بات المحيط، في العراق وسوريا واليمن مسرحاً مباشراً له.

وفي تزامن زيارة الزعيمين المصري والتركي داخل الأجندة السعودية، وعدم عمل الرياض على تنظيم لقاء يجمع الزعيمين بشكل فلكلوري سطحي، ما يفصحُ عن توجّه سعودي معلن للتعامل مع المتناقضين، المصري والتركي، بحرفية عالية لا تمسُّ من موقف الرياض وإلتزاماتها إزاء النظام المصري، كما لا تمنعُ تفعيلاً لعلاقات السعودية بتركيا ودفعها نحو آفاق، قد تصبح أساسية في المشهد المشرقي العام. وفي قبول القاهرة وأنقرة بالمقاربة السعودية الجديدة ما يعكسُ نهجاً مرناً يؤشّر إلى جهوزية النظامين الحاكمين، في مصر وتركيا، للبحث في آليات تطبيع، تبدو خجولة في الوقت الراهن، لكن قد تحثّها الإيقاعات السعودية المترجلة.

تتحركُ السعودية مستندة على وئام خليجي داخلي منذ المصالحة التي تمت برعاية الملك الراحل. ولئن شكك المشككون في صمود تلك المصالحة متوقعين عودة قطر للخروج عن إجماع البيت الخليجي بعد وفاة الملك عبدالله، فإن الثابت أن قطر ما زالت متمسّكة بتلك المصالحة، التي، على ما يبدو، لم تعدّ خياراً مزاجياً، بل ضرورة للأمن الاستراتيجي لدول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها قطر نفسها. وفي مناورات الرياض ما يفيدُ بأنها، ومن خلال الظهير الخليجي، تحاكي المنطقة والعالم بأدوات قوة، قد تتيح لها مرونة لم تكن تمتلكها في السابق في التعاطي مع ملفات المنطقة الساخنة.

يقترحُ الرئيس السيسي قوة عربية ميدانية لمحاربة داعش. تعرف السعودية، المشاركة في الحلف الدولي ضد الارهاب، مدى أهمية تركيا دولة وقوة وحدوداً في مواجهة الارهاب في العالم العربي، كما تدركُ عقم أي جهد عربي، دبلوماسي وعسكري، بعيداً عن حد أدنى من التنسيق مع الجانب التركي. بالمقابل تعي أنقرة أن مقاربتها لملف داعش، الذي لطالما تواكب مع لبس يغمز من قناة علاقة بين أنقرة والجهاديين، يحتاجُ إلى تغطية إسلامية - عربية يتناول الملف من بوابة التسوية الاقليمية الكبرى، التي يمثّل داعش الوجه البشع لتفاقم اختلالاتها. وفي ذلك تقاطعٌ موضوعي بين الرياض وأنقرة في شأن ما يتعلق بالعراق وسوريا، وإن إختلفت أدوات البلدين وتباينت أهدافهما النهائية.

تلتقي مواقف القاهرة مع مواقف الرياض وأنقرة في أن حل الأزمة في سوريا سياسي. لا تمتلك القاهرة نفوذاً في الملف السوري (إلا التحرك المعلن بالتنسيق مع بغداد، أي مع طهران)، فيما تملكُ تركيا والسعودية مفاتيح أساسية تقارع بها المفاتيح الروسية الإيرانية. يقودُ الائتلاف السوري المعارض شخصية مقربة من تركيا (خالد الخوجا) خلفاً لشخصية مقربة من السعودية (أحمد الجربا). بمعنى آخر، يملك البلدان خبرة متراكمة سياسية ودبلوماسية وميدانية في التعامل مع الملف السوري، بما يمكّنهما من الخروج بخلاصات مشتركة جديدة.

لا تستعجلُ الرياض إنقلاباً صارخاً متعجلاً في أهداف تقاربها مع أنقرة. بيد أن المقاربة السعودية تبدو ذاهبة باتجاه محور يجمع الرياض بأنقرة والقاهرة. ولئن بدا أمر ذلك معقّداً في سياق الصراع التركي المصري حول العلاقة مع الاخوان المسلمين، فإن تجاوز ذلك يحتاجُ إلى فلسفة سعودية جديدة لاجتراح معادلة تخرج المارد (السعودي التركي المصري) المتوخى من عنق الزجاج. سيحتاجُ ذلك إلى مراقبة ضجيج الرياض.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
هذه الترامبية التي تقلق إسرائيل!
2017-05-19
هل من صدام مقبل بين إيران وباكستان؟
2017-05-12
ماكرون رئيساً: فرنسا تعيد تصويب التاريخ!
2017-05-08
وثيقة حماس: ضجيج من أجل الهمس!
2017-05-05
لا إصلاحيون في إيران.. نعم لرئيس محافظ!
2017-05-01
هل تتطلب 'التسوية الكبرى' زعامة مروان البرغوثي؟
2017-04-28
نعم مارين لوبن تقترب جدا من أبواب الاليزيه!
2017-04-21
روسيا ترد على الغرب بدبلوماسية 'قلة الفهم'!
2017-04-14
توماهوك الشعيرات: قراءة بيتية أميركية!
2017-04-10
المزيد

 
>>