First Published: 2015-03-07

الجرادة والمال المسموم

 

دولة مثلة الجرادة تجري ليلا ونهارا، دون كلل ولا ملل وبكل طاقاتها وإمكاناتها، باحثة عن تجمعات 'الإسلام المنحرف'، و'الجهاد' المغشوش، في غرب الدنيا وشرقها، لتلتقطه وتحتضنه وترعاه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: إبراهيم الزبيدي

في عرف إبن خلدون أن الدول مثل الأفراد، تولد وتشب وتكبر وتبلغ سن الرشد ثم تهرم وتموت. وكما أن بين الناس كبيرا وصغيرا، عاقلا ومجنونا، أعمى ومبصرا، مسالما ومشاكسا، فإن في الدول أيضا دولا كبرى وأخرى صغيرة، شجاعة وجبانة، ذكية وغبية، دمثة خلق وبذيئة، آمرة بالمعروف وآمرة بالمنكر، طيبة وشريرة، كريمة وبخيلة، وفية وغدارة. ولنا من سلوك دول العالم، من أول التاريخ وإلى اليوم، دلائل وبراهين.

وكما يوجد، داخل الأسرة الواحدة، ولد شقي وعاق ومشاغب وميال إلى الظلم والاعتداء وتكسير الأواني وتمزيق ثياب أقرانه، هناك ولد آخر هاديء عاقل مهذب لا يحب الاعتداء ولا الضجيج ولا يزعج أمه أو أباه، ولا يعتدي على أشقائه الآخرين.

وقد يكون رب الأسرة طيبا متسامحا كريما عاقلا محبا للخير وإغاثة المحتاج، لوجه الله، ودون رياء ومنة، ويرتعش حين يذبح دجاجة، قد يكون أحد أولاده شريرا متعبا لأهله، ومخربا، وعدوانيا، ينتعش برائحة الدم، ويطرب لأنين ضحاياه.

والآن أدخل في صلب موضوع هذا المقال. إن من الحق والحقيقية أن نعترف بأن عموم أهل الخليج العربي مسالمون لا يعرفون العنف ولا يحبون اقتناء السلاح، ناهيك عن استخدامه.

وأخص بالذكر أهل أبوظبي الذين رباهم الراحل الحكيم زايد على فعل الخير دون مقابل، وعلى الأمانة والصدق والعدل والسلام.

غادرتُ أبوظبي قبل أربعين سنة، ولم أعد إليها إلا قبل أسابيع لأجدها جنة وارفة عامرة زاهرة، خرجت من كومة رمال لتصبح مدينة فاضلة عاقلة شامخة ببنيانها وشوارعها وبأهلها الطيبين المسالمين.

والأهم من كل شيء أنها تحولت إلى أرحب منتدى للعلم والفكر والحضارة والثقافة والدين المتسامح الوسطي الأصيل، وليس لمؤتمرات المخربين والتكفيريين والإرهابيين. لا تخلو، في شهر ولا في أسبوع ولا حتى في يوم، من مؤتمر أو ندوة أو مهرجان بحثا عما ينفع الناس ويعينهم على الزمن ويهديهم سواء السبيل، مستقطبا مبدعين ومخترعين ومجددين لا من أبوظبي وحدها بل من جميع الدول العربية والغربية والشرقية، دون تمييز.

ولو تتبعنا مشاريع العمل الإنساني المُبرأ من غرض سياسي أو دعائي استعراضي في كل أرجاء الدنيا الواسعة لأذهلنا ما أنفقوه من أموال وجهود على بناء الجامعات والمستشفيات والمشاريع الإروائية والخدمية التي غيرت مصائر ملايين البشر، وأذاقتهم طعم الرحمة والرأفة والكرم الرفيع.

بعبارة قصيرة، إن أهل أبوظبي شكروا الله على نعمه الكثيرة، ولم يَبطروا، ولم يستخدموا أموالهم لإثارة الفتن، وتأجيج الخلافات والعداوات، ونصر الظلم، وقتل العدل، ورعاية المجانين المنحرفين القتالين الذباحين المفجرين المتسترين بالدين، وهو منهم بريء.

بالمقابل تأملوا دويلة بحجم الجرادة وهبها الله خيرا وفيرا فلم تشكر ربها عليه، ولم يتحمله عقلها الصغير، ففقدت بوصلتها، وأضاعت توازنها، وأسقطت إنسانيتها، وركبها الغرور، ونسيت حجمها الضئيل، فأغرقت بـ "أموالها" المغمسة بالسم، والمغلفة بالمتفجرات جميع دول أشقائها وجيرانها، متوهمة بأن سياسة رعاية "المرشدين"، والوعاظ المضللين، والأئمة المحرضين على القتل والحرق والتدمير والتخريب، وتهجير الملايين، كفيلة بجعلها دولة عظمى تفرض إرادتها على الكبير قبل الصغير، بسيوف الغدر، ومدافع الضغينة، وسفاهة الإرهاب والإرهابيين.

هل فيكم من يجد لي واحدة من مؤسسات الفكر والثقافة التنويرية الخيرة، في بلاد العرب والعجم، حصلت على ريال واحد من تلك الجرادة. أو مصحا واحدا لمعالجة السرطان في أية دولة قريبة أو بعيدة وهبته شروى نقير، أو دولة عربية أو إسلامية واحدة، كبيرة أو صغيرة، لم تحترق بما نثرته هذه الجرادة من أموالها الفاسدة، ولم تحتضن المنحرفين والفاشلين والجهلة من أهلها، ولم تشجعهم على الخيانة، ولم تأمرهم بتفجير الشوارع وأسواق الخضار، ونسف الجسور، وهدم المدارس، وغلق الموانيء والمطارات، وقتل الجنود والضباط الأبرياء، حتى وصل الدم إلى الرُكب، دون رادع ولا ضمير.

تجري ليلا ونهارا، دون كلل ولا ملل، وبكل طاقاتها وإمكاناتها، باحثة عن تجمعات "الإسلام المنحرف"، و"الجهاد" المغشوش، في غرب الدنيا وشرقها، لتلتقطه وتحتضنه وترعاه، حتى وهي تعلم بأن ذلك سينشر الدم والدموع، في بلاد آمنة، ويُخرج من ديارهم أطفالا وشيوخا ونساء بالملايين ليهيموا على وجوهمم في الوديان والبراري والملاجيء دون معين ولا نصير. والجرادة لا تسرح إلا مع الجراد، والأفعى لا ترتع إلا مع الأفاعي، والبوم لا ينعق إلا في الخرائب، والذئب لا يأنس إلا مع الذئاب.

يا ألله!! كم في هذه النفس الشقية المشاغبة المشاكسة من خلل وخبل وزلل؟ والسؤال الأهم هو ماذا تريد هذه الجرادة، وإلى أين تريد أن تصل بعشق الموت وشهوة الخراب؟

ترى أيكون ذلك الشر كلُه الذي ملك عليها عقلها وقلبها وظيفة مفروضا عليها أداؤها مقابل سلامة حكامها وبقائهم؟

ألا بئسها من وظيفة، وبئس من يرضى بأن يجعل من دماء أهله وأرزاقهم بضاعته التي يبيعها بثمن بخس لسيدٍ غادر ولئيم وخبيث. ولله في خلقه شؤون.

 

إبراهيم الزبيدي

 
إبراهيم الزبيدي
 
أرشيف الكاتب
من الشاه القديم إلى الشاه الجديد
2017-03-25
أهلا أهلا يا أميركا
2017-03-20
هل للطائفة السنية العراقية من خلاص؟
2017-03-15
إيران والمالكي والرئاسة
2017-03-12
العراق.. مصائب قوم عند قوم فوائد
2017-03-07
من داعش إلى دواعش
2017-02-27
ترامب والغاضبون عليه
2017-02-04
'همشرية' ترامب، مرارة أم حلاوة؟
2017-01-25
تعليقات على حروب 'المستشارين' في سوريا
2017-01-10
اللهم لا شماتة
2017-01-05
المزيد

 
>>