First Published: 2015-03-07

هل فقد عرب العراق هويتهم؟

 

الكتل السياسية التي احتكرت تمثيل الطوائف هي الجهة الوحيدة المستفيدة من خراب البيت العربي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

عام 2003 فرض المحتل الاميركي بالتواطؤ مع أفراد الطاقم السياسي الذي جلبه معه من الخارج على الشعب العراقي التخلى عن وحدة نسيجه الاجتماعي ليكون بعده مجموعة من المكونات الإثنية والدينية. وهو ما نص عليه دستور العراق الجديد المليء بالفقرات الملغومة.

كما أن مفهوم المكونات نفسه جاء ملغوما بخبث، أريد من خلاله محو هوية العراق العربية. وهو ما نشط في الترويج له مثقفو الاحتلال الذين تم جلبهم من بلدان اللجوء.

فبموجب ذلك المفهوم فإن الكرد تم تصنيفهم قوميا فبقوا كتلة واحدة في ميزان القوى السياسية اما العرب فقد اسقطت عروبتهم من ذلك الميزان حين تم توزيعهم بين الطائفتين السنية والشيعية.

وهكذا تم تمييز الأكراد بإعتبارهم قومية أما القومية العربية فقد تم استبعادها.

كانت الضربة بالأساس موجهة إلى عروبة العراق التي لم ينص عليها الدستور الذي اعتبر العراق منطقة جغرافية يسكنها العرب والأكراد ومن حولهم يلتف عدد من الاقليات الإثنية والدينية.

ولكن لماذا ارتضى العراقيون العرب وهم يشكلون الاغلبية الساحقة في العراق أن يكونوا سنة وشيعة بدلا من أن يكونوا عربا؟

هل كانوا كذلك تاريخيا وواقعيا؟

لا أرى هنا موجبا في الدخول في تفاصيل حياة، هي بالنسبة للعراقيين نوع من بداهة العيش، وبالاخص في ما يتعلق بالماضي القريب الذي عاشه معظمنا.

ما يهمني هنا أن أصل إلى ما حصده العراقيون من قبولهم بما أطلق عليه المحتل تسمية نظام المحاصصة السياسية، وهو النظام الذي أقره المحتل بديلا لنظام الدولة العراقية التي حطمها.

في الحقيقة لم يكن ذلك النظام يتعلق بإدارة الدولة وحدها، لذلك فإنه لم يكن سياسيا محضا، بل كان في الاساس نظاما اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا.

فمثلما خسر العراق عروبته، صارت عروبة العراقيين محل شبهة. لا بالنسبة لسواهم من العرب، وبالأخص ممن ييحيطون بهم حسب، بل وأيضا بالنسبة لنظرتهم، بعضهم إلى البعض الآخر.

ومن المؤكد أن دخول العنصر الفارسي (بعض قادة العمل السياسي والديني في العراق هم من أصول ايرانية، لا يزال عدد كبير منهم يعتز بأوراقه الثبوتية الايرانية) كان قد أضفى على ذلك التنابز نوعا من المصداقية.

ففي الوقت الذي عزز الأكراد، وهم على حق، مكانتهم القومية فقد كان العرب قد فقدوا هيبتهم حين ضاعوا في دهاليز الطائفية المعتمة، من غير أن يتنبهوا إلى حجم الكارثة التي ألحقوها بإنفسهم.

لقد أحرقوا هويتهم العربية التي تضمن لهم تواصلا حقيقيا مع تاريخ عظيم عاشوه معا بناةً لحضارة اتسعت دروبها لقوميات ومذاهب وملل وأديان وشعوب، كان الفرس من بينها، ليكونوا خدما أذلاء وتائهين لهويات قبلية وطائفية ضيقة، هي مصدر هذا التناحر الصبياني البغيض الذي جعل منهم موقع تندر وسخرية في عصر، صارت الأمم فيه تتسابق في اختراع وجوه وجودها الأممي.

في خضوعهم لنظام المحاصصة الطائفية خسر الشيعة السنة، مثلما خسر السنة الشيعة. بالقوة نفسها خسر الطرفان عراقا موحدا يجمعهما.

قد يكون مهما هنا أن أوضح أن خطابي لن يكون موجها إلى الكتل السياسية التي احتكرت تمثيل الطوائف، فهي الجهة الوحيدة المستفيدة من خراب البيت العربي. ذلك لإنها كانت الجهة التي أوكل لها المحتل مهمة تمزيق هوية العراق العربية.

الخطاب موجه في حقيقته إلى الشعب العربي في العراق كله، وهو الشعب الذي أذله المالكي حين عرضه سلعة مجانية أمام تنظيم داعش. وهنا بالضبط تكمن الحلقة الأكثر خطورة في مسلسل انتهاك عروبة العراق وعرضها في المزادات لكي تكون نهبا لقطاع الطرق والأفافين وسماسرة القتل.

لذلك فما لم يستعد عرب العراق هويتهم المشتركة فإنهم لن يخرجوا من مطحنة خراب تاريخي، ستجعل منهم موقع لعنة بالنسبة لأحفادهم الذين سيرثون العروبة المشرقة من خلال الكتب.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
متشددون في ضيافة الغرب
2017-03-28
الموصل مدينة مغدورة وشعب تائه
2017-03-27
من العزلة إلى التطرف. سيرة لاجئ
2017-03-26
لن يكون الفاسدون مصلحين
2017-03-25
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
المزيد

 
>>