First Published: 2015-03-09

خروج الفنان فضل شاكر من العزلة وبيت الطرب ما خرب

 

ما مر به فضل شاكر كفنان أمر طبيعي. هذه حالات نفسية عنيفة، وليست أشياء يُعول عليها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

ظاهرة المطرب فضل شاكر تستحق التأمل، فهو مطرب تحول فجأة إلى سلفي متطرف. وها هو يحن إلى حياته السابقة كفنان ونجم رومانسي. هذا يدل على أن التحولات العنيفة مضرة بالإنسان. لو أنه فقط ذهب إلى المسجد مثلا لصلاة الجمعة، لو قام بإنشاد مديح للرسول دون التوقف عن الغناء. فليس من المعقول التحول من مطرب إلى إمام، ومقاتل، وداعية للجهاد.

هذه حالات نفسية عنيفة، وليست أشياء يُعول عليها. ومن الطريف أن بعض الأصدقاء نبهوني إلى قول مأثور هو أن مَن دخل إلى الدين جملة، خرج منه جملة، أو حديث شريف معناه أن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، وهناك مثل عراقي "العافية بالتداريج". فليس مطلوبا من مطرب أن يكون إماما حنبليا مثلا، هذا فوق طاقة الإنسان العادي.

ثم أن الفنان فضل شاكر لم يحسب حساب السوق. هناك سوق معقد آخر للإنشاد الديني مختلف عن السوق الغنائي. فمثلا الرادود الشيعي باسم الكربلائي أكثر ثراء من أكبر المطربين، وكذلك المنشد الكويتي العفاسي له سوق رائجة وكبيرة. بينما قفزة فضل شاكر وضعته في عالم بلا حسابات دقيقة، وربما تعرض للملاحقة القانونية، والعزلة، والفقر. إن العقل والحكمة جزء من الدين أيضا، وكما يقول الحكيم الشامي "اللهم ثبّت علينا العقل والدين". فالتطرف يبدو نوعا من الجنون، أكثر من كونه دينا أو عقلا.

لقد سبق لنيتشه أن قال بأن الحياة بلا موسيقى خطأ فادح. وبما أن الدين كان دائماً أرفع العواطف الإنسانية، كثيرا ما كان يختلط بالفنون. فالكنيسة رعت الموسيقى ودمجتها بأناشيدها الدينية. والتاريخ الإسلامي مليء بالفنون. حتى أكثر الحركات تطرفا وظلاما مثل الدواعش، لا تنجو من الفن، فماذا يسمون هذا الإسلوب المعتنى به في الخطابة الفصيحة، والسجع، والرجز، والجناس، والطباق؟ أليس هذا فن الخطابة. وما هذه الأناشيد التي يحرصون عليها؟ أليست فنا وإيقاعا وأنغاما؟ الفن لا تفسير له، وهو جزء من الحياة نفسها.

ربما ما مر به فضل شاكر كفنان أمر طبيعي، وهو مشابه لعاطفة الروسي تولستوي المفاجئة نحو المسيحية. نحن نعلم اليوم بأن تولستوي هو الوحيد الذي يعتقد بأن قصصه المسيحية التبشيرية القصيرة، أكثر أهمية من رواياته الخالدة كالحرب والسلام وآنا كارنينا. وربما أعتقد فضل شاكر بأن أناشيده الدينية أكثر إبداعا من أغانيه الدافئة التي منحته الشهرة ومحبة الناس.

الفن يسبق الفلسفة والفكر، وربما أعظم الفنون هي تلك التي لا تفسير لها. وبدلا من أن نشغل أنفسنا بتفسير الفن، ربما الأفضل لنا التفكير بقيمة الفن. فما زال الفن قادرا على منحنا تلك المتعة الرفيعة، وكأنه يهبنا الجمال، ويكشف لنا عن حقائق لم نكن لنعرفها بدونه. إن فضل شاكر فنان ويجد تصادما بين عاطفته الدينية، وعاطفته كفنان. أمر جيد أن نشهد تجربة من هذا النوع، وأن نكتشف نتائجها في النهاية.

نحن نرى بأن العودة إلى الإسلام تحدث للآلاف كل يوم، ويجب أن تكون من أطراف المسجد، وليس على المنبر كما فعل غارودي وفضل شاكر. أن يجلس عند آخر صف بالمسجد، فالجميع أكثر علما منه بأمور الدين، وإن وظيفة الممارس الجديد للصلاة هي التعلم وليس التعليم. فهل يمكن لمدخن عجوز أن يبدأ ممارسة الرياضة بالأولمبياد؟ هذا غير منطقي، فالإسلام تجربة شخصية، ورياضة روحية. رجل مسلم يصلي لأربعين عاما، واستطاع تربية خمسة أبناء على الطمأنينة والإستقامة. هذا المسلم بكل تأكيد أعلم من غارودي وفضل شاكر وسواهم.

أعتقد بأن الخيارات المتطرفة بين الفن والإيمان، تنتهي إلى خيارات أكثر تطرفا مثل الإيمان والحياة، وتؤدي إلى التوق إلى الموت. الرسول الكريم مجد الحياة، وقال لا رهبانية في الإسلام، وجعل سعي الرجل في رزق عائلته هو الجهاد الأكبر. وعلى مسؤولية عباس محمد العقاد فإن عمر بن الخطاب كان يقول "الغناء راحلة المسافر". نحن لا نفهم بهذه الأمور، غير أنه كما يبدو، ومن خلال كتاب الأغاني للأصفهاني مثلا، أقل ما يمكن قوله هو أن الغناء جزء من حياة العرب والمسلمين عبر التاريخ، أليس كذلك. سواء أكان مرخصا أو غير مرخص من الفقهاء، فهذه قضية أخرى أكبر من فهمنا.

عودة الفنان فضل شاكر إلى حياته الطبيعية، بعد أن بدا مكدودا من العزلة، ليس أمرا معيبا. وكما يقول المثل العراقي "بيت الطرب ما خرب".

 

أسعد البصري

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
الضعف العربي والتوسع التركي والإيراني
2017-12-12
انحسار المد الطائفي في العراق
2017-12-04
المرأة السعودية جوهر الانتصار على التطرّف
2017-11-28
عتاب عراقي مرير
2017-11-20
نداء عربي إلى كردستان المحاصرة
2017-10-01
هل السنة العرب مع الأكراد؟
2017-09-30
جهاد النكاح في العراق
2017-06-13
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المزيد

 
>>