First Published: 2015-03-14

لائحة الاتهام الفلسطينية ضد إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية

 

بصرف النظر عن كون إسرائيل استثناءً للقوانين والشرائع الدولية، تعتبر الخطوة الفلسطينية رغم معوقاتها ومحاذيرها، أمرا ضروريا ينبغي المضي به، اقله حفظ الحق من وجهة نظر القانون الدولي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. خليل حسين

كاد المريب أن يقول خذوني، هو حال إسرائيل وقياداتها السياسية والعسكرية، لدى إعلان المحكمة الجنائية الدولية دراسة احتمال، أن يكون الجيش الإسرائيلي قد تورط بجرائم حرب خلال العدوان على قطاع غزة صيف العام 2014، والذي ذهب ضحيته، أكثر من 2250 فلسطيني، منهم 1563 مدنياً، بينهم 538 طفلاً و306 سيدة. وبعد خمسة أشهر من انتهاء الأعمال العدائية، ظلت آلاف القنابل من مخلفات الحرب غير المنفجرة منتشرة في أنحاء قطاع غزة، وظل نحو مئة ألف شخص مشردين، إذ تم تدمير 22 ألف منزل أو إصابته بأضرار جسيمة أثناء النزاع، بحسب تقارير هيومن رايتس وتش. ونتيجة لذلك عمدت إسرائيل بكل ثقلها السياسي والدبلوماسي للعمل على عدم قبول فلسطين الانضمام إلى المحكمة الجنائية بذرائع وحجج غير قانونية ن كما عرقلت مهام مجلس حقوق الإنسان عبر ضغوطها لإجبار القاضي وليام شاباس، التنحي عن ملف التحقيق بعدنا تبين لها أن تقريره لم يكن لمصلحتها.

إلا أن الأمين العام للأمم المتحدة حسم الجدل الكبير حول قبول السلطة الفلسطينية الانضمام إلى معاهدة روما الناظمة لأعمال ومجريات المحكمة. ذلك بعدما أودع وثيقة التوقيع، مندوب فلسطين لدى الأمم المتحدة، في الأمانة العامة بوصفها هيئة إيداع المعاهدة المنشئة للمحكمة، حيث قبلت الوثيقة رسمياً في 6 يناير/كانون الثاني، وصدر إخطار يشير إلى دخول معاهدة المحكمة حيز النفاذ في فلسطين، اعتباراً من الأول من أبريل/نيسان المقبل، مما يجعلها العضو رقم 124 في المحكمة. الأمر الذي حدا بالسلطة الفلسطينية الإعلان عن نيتها تقديم أول لائحة اتهام ضد إسرائيل أمام المحكمة في الأول من ابريل/نيسان القادم. فما هي اختصاصات المحكمة؟ وما هي آليات المساءلة؟ وما هي معوقاتها؟

اختصاصات المحكمة

يحدد نظام المحكمة، نطاق الإختصاص الزماني والإقليمي والشخصي والموضوعي. فقد نصت الفقرة الأولى من المادة (11) على أنه: "ليس للمحكمة اختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام الأساسي". ما يعني أن المحكمة تختص بالنظر في الجرائم التي ترتكب بعد دخول نظامها الأساسي حيز التنفيذ. فالنظام الأساسي للمحكمة أخذ بالقاعدة العامة المطبقة في جميع الأنظمة القانونية في العالم، والتي تقضي بعدم جواز تطبيق القوانين الجنائية بأثر رجعي. وكذلك الحال بالنسبة للدول التي تصبح طرفًا في النظام الأساسي بعد نفاذه، فلا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها، إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ النظام بالنسبة لتلك الدولة.

ويرتكز الإختصاص الإقليمي على مبدأ راسخ في القوانين الداخلية والدولية المتعلق بسيادة الدولة على أراضيها.ويقف الإختصاص الإقليمي مستقلا أمام الإختصاص الشخصي، لتكون المحكمة الصالحة للنظر في قضايا جرائم المادة الخامسة، عند وقوعها في إقليم إحدى الدول الأطراف، سواءً أكان المعتدي تابعا للدولة الطرف أم لدولة ثالثة، مع فارق جوهري عند وجود المتهم في دولة ثالثة، إذا أن هذه الأخيرة غير ملزمة بالتعاون مع دولة الإقليم، إلا بتوافر دولي كاتفاقيات التسليم أو المعاهدات المتعددة الأطراف.

أما الاختصاص الشخصي، فمرده المسؤولية الجنائية للفرد، التي لا تؤثر في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي، وهذا ما قررته الفقرة (4) من المادة الخامسة، بنصها على: " لا يؤثر أي حكم في هذا النظام الأساسي يتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي".فالدولة تبقى مسؤولة عن الضرر الذي يلحق بالآخرين نتيجة لأعمالها غير المشروعة، وتلتزم الدولة بالتعويض عن هذا الضرر على النحو المقرر في أحكام المسؤولية الدولية.وبحسب المادة (27) والمادة (28)، يمكن ملاحقة فئتين من الأشخاص: رؤساء الدول وأصحاب المناصب العليا؛ والقادة والرؤساء العسكريون المسؤولون عن أعمال مرؤوسيهم.فوفقا للمادة (27) أن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية. فالشخص سواء أكان رئيسًا لدولة أو حكومة أو عضوًا في حكومة أو برلمان أو ممثلا منتخبًا أو موظفًا حكوميًا، مسؤول عن جريمته، وصفته الرسمية لا تعفيه بأي حال من المسؤولية الجنائية، كما أن هذه الصفة لا تكون سببًا في تخفيف العقوبة عن الجرائم التي يكون قد ارتكبها في أثناء وجوده في منصبه.ووفقا للمادة (28 فقرة أ) اعتبرت القائد العسكري أو من يقوم مقامه يكونان مسؤولين مسؤولية جنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، والمرتكبة من جانب قوات تخضع لإمرته وسيطرته الفعليتين، في حال توافر شرطان:أن يعلم القائد أن قواته ترتكب أو توشك أن ترتكب إحدى الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة. أو إذا لم يتخذ القائد العسكري جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع هذه الجرائم أو قمعها أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة.

أما الاختصاص الموضوعي، وهو الأخطر والذي اختصرته المادة الخامسة بجرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجرائم العدوان. وقد عرفت المادة السادسة جريمة الإبادة الجماعية أي فعل من الأفعال يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه إهلاكاً كلياً أو جزئياً. أما المادة (7) فعرفت الجرائم ضد الإنسانية عبر تعداد الأفعال التي تشكل في حالة ارتكابها في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين عن علم بهذا الهجوم وهي:القتل العمد والاسترقاق والتعذيب والإبادة وإبعاد السكان أو النقل القسري والإخفاء القسري للأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم ورفض إعطاء معلومات عن مصيرهم.

أما جرائم الحرب، فنصت عليها المادة 8 وهي الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس/آب 1949.أما جريمة العدوان: فلم ينجح مؤتمر روما في تعريف لها. فيما عرفها القانون الدولي وحسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14/12/1974 فهو:" استعمال دولة ما، القوة المسلحة ضد دولة أخرى ضد السيادة وسلامة الأرض والحرية السياسية أو بأية طريقة أخرى".

أما ممارسة الاختصاص، فتتم عبر مرجعيات حدَّدها النظام، فوفقا للمادة 14 لكل دولة طرف في الاتفاقية أن تحيل للمدعي العام إذا ما كان هناك أي جريمة دولية للنظر فيها، كما يجوز لدولة غير طرف أن تتقدم بذلك شرط إعلانها خطيا القبول باختصاص المحكمة. كما يمكن لمجلس الأمن إحالة القضية للمدعي العام لمباشرة التحقيق وفقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. كما للمدعي العام وفقا للمادة 15 المباشرة عفوا بالتحقيق، إذا توفرت لديه معلومات عن الجرائم المرتكبة، إن عبر دولة طرف أو غير طرف في الاتفاقية، علما أن التحقيق مرتبط بموافقة الغرفة الابتدائية.ووفقا لهذه الصلاحيات يمكن للسلطة الفلسطينية الاستفادة منها عمليا بمواجهة إسرائيل، إلا أن ذلك دونه عقبات كثيرة.

عقبات وثغرات قانونية وسياسية

ثمة العديد من الثغرات التي يمكن أن تستغلها إسرائيل للتملص من مجريات المحاكمة والنتائج المحتملة عنها، وهذه المعوقات والعقبات بعضها ذات طابع سياسي وأخرى ذات طابع قانوني وأبرزها:

1. مبدأ تكاملية اختصاص المحكمة: إذ إن المادة الأولى باعتبار اختصاص المحكمة مكملاً للاختصاصات القضائية الجنائية الوطنية، يعطي "إسرائيل" فرصة للتحايل على القانون، عبر الإعلان أنها سوف تقدم بعض المتهمين إلى لجان تحقيق "إسرائيلية"، تمهيداً لتقديمهم إلى محكمة جنائية إسرائيلية. ولـ"إسرائيل" سوابق قانونية عديدة في هذا المجال، فقد قدمت بعض جنودها وضباطها إلى محاكم صورية وحكمت عليهم أحكاماً شكلية. وصحيح أيضا، أن المادة 17 من النظام الأساسي نصت على حالتين تستثنيان من مبدأ التكاملية، بحيث تقبل المحكمة الشكوى وتسير فيها إذا توفرت إحدى الحالتين التاليتين:إذا أجرت دولة لها اختصاص وطني كـ"إسرائيل" مثلاً، تحقيقاً في الدعوى، إلا أنه ثبت للمحكمة بأنها:غير راغبة في الاضطلاع بالتحقيق. أو أنها غير قادرة على القيام بذلك.وهنا يمكن التساؤل: كيف ستتمكن المحكمة الدولية من الجزم بأن دولة ما غير راغبة في مقاضاة المتهم أو المتهمين، أو أنها غير قادرة على القيام بذلك. لا شكّ أن التأكد من عدم القدرة أسهل من الحالة الأخرى وهي عدم الرغبة، خصوصاً وأن "إسرائيل" لديها قدرة فائقة على التفنن في اختراع المبررات، خصوصاً إذا كان الضحية عربياً. وثمة عشرات السوابق في هذا المجال، خصوصاً وأن النظام الأساسي للمحكمة لا يتطلب حضور المتهم أمامها بل يمكن محاكمته والسير في الدعوى غيابياً.

2. الطعن في مقبولية الدعوى: يمكن للمتهم أو الدولة التي لها اختصاص إقليمي في التحقيق أو المحاكمة، أن تقدم طلباً بعدم مقبولية الدعوى. والدولة التي تدعي بأن الدعوى من اختصاصها تدفع في طلبها بأنها تحقق أو تباشر المقاضاة في الدعوى أو لكونها حققت فعلاً المقاضاة وباشرت فيها. ولدى تقديم مثل هذا الطعن فإنه يحال إلى دائرة ما قبل المحاكمة للنظر والبت فيه، ثم يحال الطعن إلى الدائرة الابتدائية، ويجوز لمن قدم الطلب استئناف القرارات الصادرة والمتعلقة بالاختصاص أو المقبولية إلى دائرة الاستئناف وفقاً للمادة 82 من النظام الأساسي.

3. تستطيع "إسرائيل" الادعاء بأنها ارتكبت كافة المخالفات الجسيمة المنسوبة لضباطها وجنودها ومسؤوليها السياسيين، وفقاً لما لها من حقّ "الدفاع الشرعي" عن أمن مواطنيها وسيادة أراضيها. وفي هذا الصدد يمكنها تقديم بيانات صادرة عن عدد من رؤساء الدول الغربية أو الطلب من بعضهم، كي يشهد لصالحها بأنها كانت في حالة دفاع.، والمادة 31 من النظام الأساسي تعطي المتهم هذا الحق شرط أن يتصرف على نحو معقول للدفاع عن النفس، أو عن شخص آخر، أو عن ممتلكات في حالات أخرى.

4. لعلَّ ابرز المعوقات ما ورد في المادة 16 من النظام الأساسي تحت بند "إرجاء التحقيق أو المقاضاة"، إذ أعطت هذه المادة لمجلس الأمن الحق في أن يطلب من المحكمة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بأن "لا تبدأ في المحاكمة أو أن لا تواصل المضي في التحقيق أو المقاضاة لمدة اثني عشر شهراً". كما يجوز للمجلس تجديد هذا الطلب بالشروط نفسها. وبناءً عليه، لا تستطيع المحكمة السير في أيّ شكوى أو مقاضاة بل تجميد ذلك لفترة 12 شهراً قابلة للتجديد لمدة مساوية من قبل مجلس الأمن.

5. إمكانية إقامة "إسرائيل" دعاوى ضدّ قيادات المقاومة بموجب نصّ المادة 12 من ذلك النظام أو قبلت باختصاص المحكمة وفقاً للفقرة (3) المادة 12، فإن "إسرائيل" تستطيع تقديم شكوى أو شكاوى إلى المحكمة الجنائية الدولية ضدّ أيّ من قيادات المقاومة، أو حتى ضدّ بعض القيادات السياسية في الضفة الغربية، إذا كانت لها علاقة بما حدث في قطاع غزة من أعمال حربية.

أخيرا وبصرف النظر عن كون إسرائيل استثناءً للقوانين والشرائع الدولية، تعتبر الخطوة الفلسطينية رغم معوقاتها ومحاذيرها، أمرا ضروريا ينبغي المضي به، اقله حفظ الحق من وجهة نظر القانون الدولي أولا، واعتباره سابقة فلسطينية في المحاكم الدولية يمكن البناء عليها ثانيا، سيما وان إسرائيل وتاريخها الحافل بالمجازر ضد العرب، لن ترتدع إلا إذا شعرت أن ثمة من يراقبها ويحاسبها.

 

د. خليل حسين

استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

 
د. خليل حسين
 
أرشيف الكاتب
الاتحاد والمملكة غير المتحدة
2017-04-05
خلفيات التوتر التركي الأوروبي وتداعياته
2017-03-21
دلالات الفيتو المزدوج في مجلس الأمن
2017-03-05
إلى أين بحل الدولتين؟
2017-02-20
حدود التوتر الأميركي الإيراني وآفاقه
2017-02-19
ديموقراطية أميركا وشوفينية ترامب
2017-01-30
مؤتمر أستانة محطة عابرة في الأزمة السورية
2017-01-23
إسرائيل ومعاقبة الأمم المتحدة
2017-01-19
روسيا وعقيدة بوتين المجدّدة
2017-01-12
تحديات الأمين العام للأمم المتحدة
2017-01-11
المزيد

 
>>