First Published: 2015-03-19

'أنا الرئيس' والمسرح السياسي لمصر

 

نجاح المشروع الحضاري يصعب إنجازه وسط ركام التخلف.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

عندما تسعى الأمم للتقدم واللحاق بركب الحضارة لا يقتصر تحركها على مجال واحد، فلا يمكن أن تكون هناك نهضة في قطاع وفشل في قطاعات أخرى، لأن الرغبة الحقيقية لنفض غبار التخلف تنحدر من رؤية شاملة لشكل المستقبل المطلوب أن تصبح عليه أي دولة.

ما حدث خلال الأسابيع الماضية ترك انطباعات قوية لدى كثيرين أن مصر بدأت تستيقظ، وأخذت الأحلام التي علقت بالأذهان تقترب من التحقق، ليس فقط في المجال الاقتصادي الذي عبرت عنه النتائج المبهرة لمؤتمر شرم الشيخ، ولا حتى في المجال السياسي حيث أخذت مصر تعود لمكانتها الإقليمية.

لكن هناك تطورات مهمة في القطاع الثقافي قد لا يعرفها كثيرون، يشعر بها كل من راقب حركة المسرح، المعروف أنه "أبو الفنون" خلال الفترة الماضية، أو قادته الظروف لدخول إحدى مسرحيات الدولة، التي نسيها الجمهور في السنوات الأخيرة.

الحاصل أن هناك حركة مسرحية كبيرة، جذبت جرأتها السياسية فئة كبيرة من المواطنين، وهي انعكاس طبيعي لحالة تعطش ثقافي استمرت نحو سبع سنوات على الأقل، ومع أنني لا أعلم شيئا عن المسئولين الذين تجرعوا مشروب الشجاعة وقدموا نوعا متميزا من الفن الراقي، لكن على يقين أن النجاح الحاصل الآن وليد رؤية وطنية وشعور بأهمية دور المسرح في التوعية الثقافية، ويبدو منسجما مع مشروع النهضة الذي تسير عليه مصر في مجالات أخرى، فبدون وعي ثقافي وإحساس بمسئولية الدور الذي يجب أن تقوم به أجهزة الدولة لن تتقدم مصر.

وقد كانت أسوأ النكبات قبل ثورة يناير أن النظام الحاكم لم يكن مشغولا بالتطوير، ولم يحرص على أن تحتل مصر مكانة تليق بتاريخها، والأخطر أنه تخلى عن كثير من نقاط القوة، وأبرزها الدور الثقافي والتنويري في الداخل والمحيط العربي، فكان من الطبيعي أن تتقدم حركات العنف الصفوف.

ومن المنطقي أن تنتشر وتتغول جماعات متشددة في قاع المجتمع، لكن عندما بدأت مصر الجديدة تشعر بالخطر ثارت على التراث السيء، وأخذت على عاتقها إعادة البناء، الذي يصعب إتمامه بطريقة صحيحة، قبل التخلص من جذور العنف والإرهاب، وعدم تغييب التوعية الثقافية، فنجاح المشروع الحضاري يصعب إنجازه وسط ركام التخلف.

تقديري أن النشاط المسرحي الراهن، انعكاس واضح للحالة العامة في مصر، وأحد المظاهر الرئيسية التي كشفت أن هناك جهدا جماعيا يدور من وراء الستار، قد لا نعرف الكثير من تفاصيله الدقيقة، لكنه يصب في النهاية داخل مربع واحد، مربع يؤكد أن ثمة رغبة عارمة للخروج من النفق المظلم، الذي كاد أن يهدم على رءوسنا جميعا في وقت من الأوقات.

المثير للانتباه في الحركة المسرحية حاليا أن غالبية الأعمال المعروضة على مسرح الدولة تميل نحو الطابع السياسي، وأن مساحة الحرية مرتفعة بطريقة لافتة، وهو ما يبدو بعيدا عن الصورة النمطية التي اختزلتها ذاكرة عدد كبير من المصريين، بشأن قلة وربما انعدام هامش الحرية في المسرحيات التي تقدمها الدولة، لاعتبارات تتعلق بالبيروقراطية التقليدية التي تتولى الإشراف عليها، لذلك ابتعد الجمهور عنها، وفقدت مصداقيتها، ثم تلاشت لأسباب تتعلق بالأجواء السياسية التي مرت بها البلاد، أو بسبب الضباب الذي كان يخيم على عقول المسئولين الكبار والصغار.

الطريق الوحيد لجذب الجمهور لمسرح الدولة مرة ثانية، أن تقدم أعمال جادة بعيدة عن التفاهة والسذاجة التي أدت إلى طعن المسرح عموما في مقتل، وأن تحمل قيمة ثقافية، وتتمتع بهامش كبير من الحرية السياسية، وهي الوصفة التي انتبه لها المسئولون في وزارة الثقافة واهتدوا إليها أخيرا، حتى يتمكنوا من استعادة الجمهور، بعد أن فقد الثقة في كل ما يعرض على مسارح الدولة.

مسرحية "أنا الرئيس" التي تعرض على المسرح العائم بالمنيل حاليا، واحدة من الأعمال الجادة، وبصرف النظر عن الحبكة الفنية التي تعتمد عليها (فأنا لست ناقدا فنيا) فهي امتلكت من الجرأة في التطرق لكثير من القضايا الحياتية، ما جعل المسرح يصبح مكتظا بالجمهور يوميا.

فالمخرج محسن رزق نجح في توظيف إمكانيات الفنان سامح حسين والفنانة حنان مطاوع وباقي فريق المسرحية، وحفزهم على أن يستخرج كل منهم أفضل ما عنده من أداء، بما دفع الجمهور أن يمضي نحو ثلاث ساعات كاملة دون أن يتسرب إليه زهق أو ملل.

كما أن المسرحية المأخوذة عن رواية "المفتش العام" للأديب الروسي نيقولا غوغول تم تمصيرها بذكاء شديد، حيث بدت متوافقة مع الكثير من القضايا الساخنة التي تناقش يوميا، مثل تغلغل الفساد في مؤسسات الدولة، والبيوت الآلة للسقوط ومشاكل المعدمين، والبطالة التي دفعت خريجي الجامعة والمتفوقين للعمل في مهن لا تتناسب مع إمكانياتهم، ومعاناة جندي الأمن المركزي، وابتزازا رؤساء الأحياء، ونهم رجال الأعمال، والمحسوبية والواسطة وقتل مواهب المبدعين، لكن في النهاية كان الانتصار للشرف والقيم النبيلة.

من أهم ما يلفت انتباه المشاهد أن الأشعار التي كتبها خالد الشيباني في مسرحية "أنا الرئيس" كانت موجعة لدرجة البكاء، لأنها لخصت بذكاء الكثير من أنواع المعاناة والمشكلات والأزمات التي يمر بها قطاع كبير من المواطنين، ومتفائلة أيضا لأن هناك أشعارا بدت متماشية مع حالة النشوة والغبطة التي نمر بها بخصوص المستقبل، ومتوافقة مع تطلعات الرئيس عبدالفتاح السيسي، بصورة لا تشعرك بالنفاق أو التزلف، بل بالحماس والإصرار على العمل.

قد يكون إسم المسرحية خادع في مشاهد كثيرة، لكن تم توظيفه بذكاء، بما جعله يبتعد عن المنطقة المباشرة (رئيس الجمهورية)، ويتماهى مع الأمنية التي يتطلع إليها الجميع، وهي أن يصبح أي وزير أو رئيس مصلحة أو شركة مثالا للعدل والاستقامة، ولسان حال "أنا الرئيس" يقول: إذا كنا جادين في أن تتحول مصر لبلد متقدم، من الضروري أن نحرص على أن تبدأ النهضة، من المشروعات المادية العلاقة وحتى المشروعات الناعمة.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
المزيد

 
>>