First Published: 2015-03-23

قاتل رابين ما زال يحكم اسرائيل...

 

هناك بكلّ بساطة مجتمع اسرائيلي جديد مختلف يرفض السلام، أو على الأصحّ غير مهتمّ بالسلام.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

لماذا اللفّ والدوران. اسرائيل لا تريد السلام. هناك فرصة سنحت بعد توقيع اتفاق اوسلو في حديقة البيت الأبيض قبل ثلاثة وعشرين عاما حين كانت المصافحة الأولى بين ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، واسحق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتذاك.

يبدو أن هذه الفرصة لن تتكرّر، على الرغم من كلّ الثغرات التي كانت في اتفاق أوسلو. يصعب أن تتكرّر الفرصة في ظلّ التحولات التي يمرّ فيها المجتمع الإسرائيلي والتي يعتبر فوز بنيامين نتانياهو، أو بيبي، تتويجا لها.

فاز بيبي في الإنتخابات التشريعية الأخيرة التي كان محورها شخصه. كانت هذه الإنتخابات التي فاجأت نتائجها كثيرين بمثابة استفتاء على السياسي الإسرائيلي الذي وضع نصب عينيه القضاء على عملية السلام مع الجانب الفلسطيني. لدى بيبي الذي سيعود رئيسا للوزراء للمرّة الرابعة، مشروع واضح يقوم على ضم القدس الشرقية نهائيا ومتابعة الإستيطان بغية تكريس الإحتلال لأكبر قسم من الضفة الغربية التي استولت عليها اسرائيل في العام 1967.

لماذا صوّت الإسرائيليون لزعيم تكتل ليكود؟ هل زادت شعبيته، بما مكّنه من الحصول على ثلاثين مقعد في الكنيست لأنّه ذهب إلى واشنطن لتحدي الرئيس باراك اوباما في عقر داره عن طريق القاء خطاب في الكونغرس تضمّن حملة على السياسة الأميركية تجاه ايران؟

هل زادت شعبيته لأنّه اعلن رفضه قيام دولة فلسطينية خلافا لما كان تعهدّ به في العام 2009، أي قبل أقلّ من ست سنوات؟

هل زادت شعبيته بعد تخويفه الإسرائيليين من اللائحة العربية التي أوصلت أربعة عشر عضوا إلى الكنيست؟ هل زادت شعبيته فجأة بعد اعتماده خطابا عنصريا بكلّ معنى الكلمة يقوم على ازدراء العرب عموما والفلسطينيين على وجه التحديد؟

متى جمعنا كلّ هذه الأسئلة، لا يعود من مجال للحيرة. هناك بكلّ بساطة مجتمع اسرائيلي جديد مختلف يرفض السلام، أو على الأصحّ غير مهتمّ بالسلام. أولويات هذا المجتمع مختلفة عن الأولويات الفلسطينية حيث قيادة شاخت ترفض تجديد نفسها بأيّ شكل.

ما جعل المجتمع الإسرائيلي يتغيّر ويدعم شخصية سطحية مثل بيبي نتانياهو هو سلسلة من التطورات جاءت بعد توقيع اتفاق اوسلو. ترافقت هذه التطوّرات مع هجرة الروس إلى اسرائيل منذ اواخر الثمانينات من القرن الماضي. وقد شكّل هؤلاء المهاجرون الجدد كتلة يمينية يعتبر السلام آخر همومها. جاء هؤلاء من بلدان ذات انظمة توتاليتارية. لا يهمّمهم ما إذا كان المرشّح في الإنتخابات يكذب عليهم أم لا. كلّ ما يهمّهم هو الشعارات البراقة التي تستجيب لأهوائهم.

لا شأن لهذه الكتلة التي تضم مئات آلاف الإسرائيليين مع المنطقة التي تقع فيها اسرائيل، أي المنطقة العربية ولا بثقافتها. هناك روس هاجروا إلى اسرائيل وهم ليسوا حتّى يهودا. كلّ ما كانوا يريدونه هو الخروج من الإتحاد السوفياتي في مرحلة ما قبل انهياره في العام 1991.

لكنّ أهمّ تطورين جعلا المجتمع الإسرائيلي يتغيّر كلّيا، وهو مجتمع يعيش في ظلّ الخوف والشعور بعدم وجود شرعية أخرى غير شرعية القوّة، هما إغتيال اسحق رابين في العام 1995 والعمليات الإنتحارية التي شجعتها قوى اقليمية من أجل افشال عملية السلام.

كانت هذه القوى الإقليمية منزعجة أشدّ الإنزعاج من إتفاق اوسلو الذي جسّد وجود القرار الفلسطيني المستقلّ. كان القرار الفلسطيني المستقلّ الذي وصفه الراحل حافظ الأسد بأنّه "بدعة" الطريق الأقصر لوقف المتاجرة بالفلسطينيين وقضيّتهم.

من يحكم اسرائيل حاليا، عبر بيبي نتنياهو، هو قاتل اسحق رابين. إسم القاتل ييغال عمير ولا يزال في السجن منذ ارتكابه جريمته في الرابع من تشرين الثاني ـ نوفمبر 1995. ليس سرّا أن ليا رابين، ارملة رئيس الوزراء الإسرائيلي، سارعت إلى اتهام بيبي بأنّه خلق "اجواء الكراهية" التي مهدّت لإغتيال زوجها و"حرّضت" على الجريمة.

بغياب رابين، لم تعد هناك أي شخصية اسرائيلية قادرة على اتخاذ قرارات تاريخية. في مرحلة ما قبل اغتيال رابين، كان الملك حسين، رحمه الله، بين الزعماء القلائل الذين فهموا معنى الإستعجال واستغلال الفرصة المتوافرة. ليس صدفة أن اتفاق السلام الأردني ـ الإسرائيلي الذي ضمن للأردن حقوقه في الأرض والمياه وقّع في خريف العام 1994، قبل سنة من إغتيال رابين؟

ساهمت العمليات الإنتحارية التي تولّتها "حماس" في ايصال بيبي إلى رئاسة الوزراء في ربيع العام 1996، لم يستوعب شمعون بيريس الذي خلف رابين في موقع رئيس الوزراء تمهيدا لإنتخابات عامة، أنّه كان عليه الدعوة فورا إلى هذه الإنتخابات بدل التفرّج على لعبة تقوم على التصعيد المتبادل بين طرفين لا يريدان السلام ولا أي شيء يمت له من قريب أو بعيد.

بين إغتيال ييغال عمير لرابين وموعد الإنتخابات، مرّت ستة أشهر. كانت المدة كافية كي يتغيّر الجو في اسرائيل على نحو جذري. كان تفجير باصات في تل ابيب والقدس وفتح جبهة جنوب لبنان أكثر من كاف ليفوز بيبي في الإنتخابات ويباشر سلسلة من الخطوات صبّت كلها في تعطيل عملية السلام والإنقلاب على اوسلو. المؤسف في الأمر أنّه كان هناك في الجانب الفلسطيني من يمارس اللعبة نفسها التي تشجّع المجتمع الإسرائيلي على الذهاب إلى التطرّف.

إلى الآن، لا يزال قاتل رابين يحكم اسرائيل، عبر بيبي نتانياهو الذي يراهن بدوره على العجز الأميركي وعلى تراجع الإهتمام بالقضية الفلسطينية في الإقليم.

شئنا أم ابينا، هناك حاليا ما هو أهمّ بكثير من القضية الفلسطينية، خصوصا في ظلّ انبعاث الغرائز المذهبية وما نشهده في سوريا، حيث نظام أقلّوي يذبح شعبه، والعراق واليمن وليبيا واخيرا تونس حيث دمّ السياح الذين قتلتم "داعش" لم يجفّ بعد.

إلى متى سيظل قاتل رابين يحكم اسرائيل؟ الجواب أن الوضع القائم غير طبيعي. لا لشيء، سوى لأن لا ييغال عمير ولا بيبي نتانياهو يستطيع وقف حركة التاريخ. في النهاية، لا يستطيع أحد الغاء الشعب الفلسطيني. هذا الشعب موجود على الخريطة السياسية للمنطقة.

صحيح أنّ هناك من يسعى دائما إلى المتاجرة به وبقضيته. لكنّ الصحيح أيضا أنّ لكلّ شيء نهاية، خصوصا أنّه ليس بعيدا اليوم الذي يعيد فيه الشعب الفلسطيني انتاج قيادة أكثر شبابا، من الداخل، قادرة على أن تكون في مستوى الحدث وأن تتصدّى لإستحقاقات الولاية الرابعة لبيبي نتنياهو...الذي سيواجه من دون شكّ صعوبات على الصعيد الدولي في ظلّ اصراره على الغاء شعب من الوجود.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ايران والكلام الاميركي السليم والجميل
2017-10-23
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
المزيد

 
>>