First Published: 2015-03-26

المقال الممنوع من النشر

 

ما عاد بالامكان تسويق بضاعة زائفة مثل بضاعة 'كاتب ممنوع'. هذه فرقعات للابتزاز.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

تحت هذه اللافتة يسعى بعض الكتاب وكثير من أنصاف الصحفيين إلى الترويج لمقالاتهم التي منعت من النشر، لعدم اتساقها مع السياسة التحريرية للجريدة، أو لعدم مواءمتها للأجواء السياسية التي تمر بها مصر، وتصوير المنع على أنه قصف للأقلام، وإهدار للحريات، ومطاردة للموهوبين، وكأن هناك مخططا، لاستهداف الباحثين عن ضجة أو شهرة فشلت كتاباتهم في الوصول إليها، فلجأوا إلى افتعال هذه النوعية من المعارك الرخيصة.

في حين أن جميع العاملين بمهنة الصحافة وحرفة الكتابة عموما، يدركون أن هناك ما يعرف بالخط التحريري لأي جريدة، على كل من يكتب فيها يلتزم بسياستها التي ارتضتها منذ نشأتها، وتقوم على وضع ضوابط تتناسب مع رؤيتها، وهناك صحف عالمية كثيرة رفضت نشر مقالات لكتاب كبار ومعروفين، ولم يخرج أحدهم ليتاجر بطريقة بدائية بمسألة الرفض، ويذهب إلى صحيفة منافسة وتنشر مقاله وتكتب بالبنط العريض "المقال الممنوع من النشر".

لقد أصبحت هذه الظاهرة مصرية بامتياز، ولا أبالغ إذا قلت أنها تحدث مع جريدة الأهرام قبل غيرها من الصحف، فنادرا ما نقرأ أو نسمع عن تشهير لإحدى الصحف الخاصة أو الحزبية أو حتى القومية، لرفضها مقالا لأحد الكتاب أو الصحفيين فيذهب نكاية في رفض نشره من قبل هذه الصحيفة أو تلك لأخرى، لأنه يعلم مسبقا عدم الاهتمام بهذه النوعية من البضاعة البائرة. لكن عندما يقول الأهرام منعت سوف يلتفت إليه كثيرون، بوهم أن هناك أبعادا واعتبارات سياسية وقفت وراء عدم النشر.

بينما السبب الرئيسي وراء ذلك، قد يكون إما رداءة مهنية، أو مغالطة علمية، أو عدم مواءمة للظروف السياسية لنشر بعض الأفكار التي ربما تثير لغطا غير مطلوب، وأحيانا يكون السبب تافها ويتعلق بأن يرسل أحد الكتاب مقالين دفعة واحدة فتختار إدارة الصحيفة إحداهما، فيتوهم أن الآخر لم يقع عليه الاختيار لأسباب سياسية.

حتى هذه معترف بها، ويمكن اللجوء للمنع لعوامل سياسية، إذا كان المقال يحمل فكرا تحريضيا أو يمس الأمن القومي للبلاد، أو يثير بلبلة اجتماعية، لكن لأن "الفرقعة" أضحت هدفا في حد ذاته، يلجأ البعض إلى رفع اللافتة السابقة، متصورين أنه سيتم التقاط كتاباتهم، وتنهال عليهم العروض السخية من الداخل والخارج، ولم أر أن أحدهم حدث معه ذلك، رغم شراسة الحملة التي شنت ضد الأهرام تحديدا في بعض الأوقات، تحت خرافة أن حجب النشر تم لدواعي سياسية.

بحكم موقعي، كمشرف على صفحات الرأي في الأهرام وخبرتي الطويلة، لدى الكثير من الحكايات والقصص والمواقف التي تعبر عن ذلك، وجميع حالات عدم النشر لم تكن لها علاقة بدوافع سياسية، أو جاءت كتكبيل للحريات أو قصف لأقلام حرة، كما أراد البعض، وهي عبارات رنانة تستفز القراء فينجذبوا إليها، وفي الحالات النادرة، وهي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، التي حدث فيها ذلك كانت الغلبة للأسباب المهنية والمغالطات وعدم الدقة، وفي حالة واحدة فقط كانت المواءمة السياسية سببا للتأجيل لبضعة أيام وليس المنع، كما اعتقد كاتب المقالة، وروج لها على مواقع التواصل الاجتماعي، مع أنه بدا مقتنعا بالأسباب الموضوعية التي شرحتها له لتأجيل نشر مقاله.

هناك كاتب مقال (عربي) خيرت صاحبه بين الاستمرار في الكتابة للأهرام وبين الكتابة قي صحيفة جديدة تابعة للإخوان تصدر في لندن، حيث اعتبرنا الازدواجية تثير الالتباس، وقد تحمل معاني سياسية غير دقيقة، فخرج صاحبنا وزعم أنه أصبح ممنوعا من الكتابة في الأهرام، بسبب مواقفه السياسية؟

ما أكثر الأسماء التي حدثت بيني وبينها تفاهمات لادخال تعديلات بسيطة، لكن التوقف عند الأسماء ليس قضيتي، وما أريد التركيز عليه أن جريدة الأهرام مصممة على الالتزام بالمعايير المهنية لأبعد مدى، وقد نجحت في استقطاب كتاب من توجهات ومشارب سياسية مختلفة، ولم تفرض وصاية على أحد.

في هذا السياق، ثمة ملاحظات ومغالطات طرحها كثيرون، تحت شعارات نبيلة، هي أبعد ما تكون عن النبل، كأن يتشدق أحدهم بالدفاع عن الحريات وحقوق الانسان والدولة المدنية الحديثة، وينكر حرية الصحيفة في اختيار ما تراه مناسبا لقارئها، وفقا لتقديرها الواسع والمسئول الذي ارتضاه مجلس تحريرها، وليس وفقا لحسابات كاتب المقال، أو أن يتجاهل كاتب نشر بالصحيفة نفسها مقالات له ضد السلطة وعدد من رموزها، ويتشدق برفض أو تأجيل مقال له بوهم ضيق مساحة الحرية.

الغريب أن هذه النوعية، بعد أن تثير ضجة مفتعلة، وعقب كيل الاتهامات الباطلة، تستأنف إرسال المقالات وكأن شيئا لم يكن، في حالة نادرة من الإزدواجية وضيق الأفق، فالكاتب من هؤلاء يوجه سهامه الخشبية ويحصد شرف البطولة الزائف، ويريد أن يستمر في الكتابة في جريدة انتقد سياستها التحريرية، أو على الأقل لديه تحفظات عليها، فأي كرامة مهنية تلك التي تدفع به؟ الأمر الذي يمثل اعترافا صريحا أن المنع أو التأجيل لم ولن يخل بمكانة الصحيفة عند الكاتب نفسه، فما بالنا بالقاريء المصر على احترامها، رغم كل الضجيج الذي يدور حولها؟

التوقف عند هذه القضية الآن، يرجع إلى أن البعض تعمد نشر أكاذيب وتسويق شائعات خلال الفترة الماضية، من أجل صناعة بطولات وهمية، عندما تناقش بموضوعية يتبين للمرء تفاصيل الخيوط الخفية التي تدين صاحبها، كما أن اسباغ مواقف نبيلة على أشياء متواضعة، قد يخدع أحيانا البعض، في حين أن التصدي لها مبكرا يجبر أصحابها على عدم اللجوء لحيل ضعيفة، تفرض عليهم عدم التمادي في ارتداء ثياب فضفاضة لا تليق بهم، لأنها سوف تظهرهم في صورة مخالفة تماما لما رسخ في وجدان من تابعوهم في يوم من الأيام، وهم يهربون من التصدي لمواجهات حقيقية، أو لحقت بهم تهم تخل بقيم إنسانية معروفة ولم يجرأوا على ردها.

في تقديري أن أزمة أي مقال ممنوع من النشر بعيدة عن قضايا الحريات، لأن كل كاتب يستطيع نشر ما يريد على الفضاء الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، لكنها قريبة من المزايدات السهلة التي اعتاد عليها البعض، وتخيلوا أنها وسيلة جيدة لممارسة الابتزاز في أضعف حلقاته دناءة.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
المزيد

 
>>