First Published: 2015-03-27

تونس: الإستثناء المقلق!

 

من لا يريد للدولة والعقلانية أن تسودا، ويعتاش من تقليعة الفوضى وعبث الميليشيات، فله ثأر كبير ضد تونس.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

تمردت تونس على ربيعها الذي كان يفترضُ أن يشبهَ ربيع الآخرين. من عتمة ما تعيشُه المنطقة عَظُم الوميض التونسي حتى انتجَ نوراً لا نعرفُ كيف نجا من ظلامية منهجٍ ومنطق يسودُ المنطقة منذ سنين. ربما نجتهدُ في تفسير اللحظة البوعزيزية التي ولَدت هذا التسونامي في كل المنطقة، وربما ننهمكُ في فكِّ طلاسم الوصفة التي أخرجت تونس والتونسيين من أتون ما تشهده ليبيا واليمن وسوريا والعراق.. إلخ، إلا أن الإستثناءَ التونسي، الراهن خصوصاً، يبقى عصيّاً على التعقلن في زمن الجنون.

تنحدرُ فرادة تونس من حكاية الإستقلال الذي، ومن خلال البورقيبية، أسسَ لنظام سياسي اجتماعي تقصَّد أن لا يُشبه مزاج المنطقة. قدّم الحبيب بورقيبة (منذ صيف 1957) خلطةً تحرت جرَّ البلد نحو حداثة المستعمرِ الراحل نفسه. في تلك الخلطة تناقضٌ بنيوي ما بين مفهوم الاستقلال ونزوعه للقطع مع الماضي، ومفهوم العصر المعترف بأن حقبةَ الإستعمار جزءٌ من هوية تونس وجب الدفاعُ عن خصالها. وإذا ما كان التمرينُ مستحيلاً لا يستقيم مع فكرة الثورة والنضال على ما شاع في تلك الفترة، وإذا ما كانت تجاربُ المنطقة أفرجت عن دموية وتوتاليتارية وشعبوية سوقيّة، فإن النموذجَ التونسي عكسَ سياقاً من خارج أي سياق، وأتى بلغة ولهجة تتحدرُ من عقلانية ديكارتية، متخلّصةً من أي أيديولوجيا نافرة من مزاج التونسيين.

من الجائز الإقرارُ بأن كاريزما الزعيم الحبيب بورقيبة ألقتَ بظلالها على الوجهةِ التي راح البلد نحوها، لكن منطقَ الأشياء يفرضُ التسليم بأن رجل الإستقلال لم يكن ليفرض رؤاه على شعب آخر غير ما هو عليه في تونس، ذلك أن في الطينة التونسية، التي أنتجت بورقيبة نفسه، ما يجعلها بيئة حاضنة لخطاب الزعيم وفرادته.

في لحظة انفجار الشارع التونسي بحدث محمد البوعزيزي (17 ديسمبر 2010)، بدا أن الحراكَ التونسي يشبه تونس. في جلبة الشارع ما يذكّر التونسيين بأحداث مماثلة شهدها البلدُ بقيادة نقاباته ومعارضيه لتصحيح الأداء البورقيبي نفسه (أشهرها "ثورة الخبز" في يناير 1984). يعترف المراقبُ للشأن التونسي بالتقدير الذي يكنّهّ التونسيون لـ "المجاهد الأكبر" وخياراته الداخلية والخارجية التي لم تذهبْ مذهب ما شاع من ناصرية وبعثية ويسارية. يلاحظ المراقب لتاريخ تونس أن الناس خرجوا على زعيمهم عدة مرات لأسباب تونسية تتعلق بالشأن التونسي البيتي، ولم يهتزوا لمزاج عربي معاكس بثتها الناصرية غداة خطاب أريحا الشهير (مارس 1965).

في لحظة انفجار الشارع التونسي بحدث محمد البوعزيزي، بدا أن تونس تستوحي حراكها من نفسها وتاريخها وثقافتها وعاداتها. بدا خروج زين العابدين بن علي والتدابير السياسية والعسكرية والإدارية التي اتخذت لمقاربة الأزمة صادرة عن مؤسسات دستورية عريقة لا تربكها الزلازل. بدت الشخصيةُ التونسية ناضجةً عاقلة محصّنة من الإصابة بالحمى التي انتشر وباؤها في ميادين الربيع القريبة والبعيدة.

اعترف العالم، كما اعترف التونسيون أن إدارة عتيقةً مخصّبة بالخبرة حمت تونس من الأعراض الجانبية الخطيرة لثورة التونسيين. تذوّق التونسيون حضور الدولة وأدواتها في يوميات أزمتهم. بقيت البنى التحتية تعملُ لا يشوبها شائبة في عزّ الفوران الشعبي المكتسح للشوارع. حتى فواتير الجباية دأبت تصل للمواطنين، بحيث تصرّف الجميع، موالاة ًومعارضة، تحت سقف الدولة التي لا تغيب، وهو تماماً عكس ما حصل في ميادين الصراع العربية الأخرى.

منذ بورقيبة انتهاء بقايد السبسي حافظت تونس على العقلانية ديدناً للسلوك السياسي. لم تمارس تونس علمانية أتاتوركية فجّة، لم تلتصق بخيارات غربية حداثوية متقدمة، ولم تركب موجات صوتية لتحرير فلسطين وطرد الإستعمار. هي هذه الوسطية التي تعبّر عن اعتدال غير مصطنع وعن مقاربة حذقة ماهرة في إدارة شؤون التونسيين في تونس، كما إدارة شؤون تونس مع العالم.

لا يمكن مقارنة الاستبداد التونسي بما راج من استبداد في كل المنطقة العربية. ولئن أخذنا بعين الإعتبار أن الاستبداد هو ما ساد بلدان المنطقة بمناسبة استقلالها، فإن الحكم التونسي بطبعتية، أيام بورقيبة وبن علي، حافظ على مستوى من الرعونة يكاد يكون نسبياً في بيئة ما مورس في بلدان كليبيا وسوريا والعراق. تجري تلك المقارنة وفق غياب لأي نموذج ديمقراطي في كل العالم العربي آنذاك (باستثناء لبنان ولأسباب تتعلق بخصوصية البلد).

في تمردِ تونس - الاستقلال على المزاج العربي، ما يشبهُ تمردها الحالي على هذا المزاج. تأسس مشروعُ بورقيبة على بناء الدولة عماداً للوطن، فلم يتخيّل التونسي نفسه بدون هذه الدولة. وحين ثار التونسيون على بن علي وقبله على بورقيبة، فإنهم ثاروا على الحاكم لا على الدولة. تتمرد تونس اليوم من خلال هذه الدولة وشروطها، التي لم تعد، في العصر الراهن، إلا دستورية ديمقراطية، خامتها عقد اجتماعي يخرج عن اجماع يتناسل من حوار جامع. هي وصفةٌ ناجعة ذات فعالية مضمونة تسري على سياقات تتجاوزُ بلد المنشأ تونس.

هذا ما يريدُ الإرهاب أن يقتله في تونس. تعافت الدولة الحديثة من صراع مع آفة الإسلام السياسي من حيث أنه المصدر الوحيد للحكم والتشريع. حتى حركة النهضة، بما هي من صدى محلي لفكر الإخوان المسلمين، "تتونست" (ربما تأثراً بهزيمة الإخوانية المصرية)، بمعنى أنها استسلمت لشروط إنتاج السلطة في تونس بغضّ النظر عما يوحى به من خارج الحدود. على أن الجهاديةُ التونسية، سواء من خلال الأعداد القياسية التي تقاتل في الخارج ( 2800 يقاتلون في سوريا حسب الداخلية التونسية)، أو تلك الناشطة في جبال الشعانبي على الحدود مع الجزائر، وصولاً إلى تمددها نحو الداخل، على ما شهده حدث متحف باردو، فإنها، باتت أداة مسخّرة بقوة، لتدمير النموذج التونسي، من حيث أنه ترياق قابل للانتشار ليشكّل أساساً لمعالجة آفات المنطقة المشتعلة.

ربما على التونسيين دون غيرهم كشف "الخلل" داخل الأجهزة الأمنية، حسب تعبير الرئيس الباجي قايد السبسي، والذي أتاح تنفيذ المجزرة. ربما على التونسيين دون غيرهم الاهتداء إلى أجوبة تفسّر رواج التطرف الديني لدى شرائح من مجتمع البلد في عصر ما بعد بن علي. وربما على التونسيين حكومة وأحزاباً وتيارات ومنظمات المجتمع المدني أن يميطوا اللثام عن آليات ترعرع أصولية دينية متطرفة في بلد تعلّمَن فيه النظام السياسي والتربوي والاجتماعي منذ الاستقلال. واضح أن المسألة لا تتعلق بأزمة إقتصادية أو عوز إجتماعي، ذلك أن التطرفَ لطالما جنّد في صفوفة أبناء العائلات الميسورة كما الأقل يسراً.

في موسمِ منطق الميليشيات الذي يروجُ في العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا، تبدو الدولة ملاذاً وحيداً ومنظومةَ تعايش وحيدة وسقفَ وحدة ٍ وحيد. في موسم الخطاب الديني والمذهبي المتمثّل بالإسلام السياسي بكل طبعاته، ابتداء من المسماة معتدلة انتهاء بالمسماة إرهابية، تبدو الوسطية والعقلانية منهجاً وفلسفة وعبقرية لإدارة التعقّد في مجتمعاتنا ومقاربة التنوّع في معتقداتنا. ومن لا يريد للدولة والعقلانية أن يسودا، ويعتاش من تقليعة الفوضى وعبث الميليشيات، فله ثأر كبير ضد تونس، ومن دفع بالإرهاب مؤخراً إلى أحضان العاصمة، يخطط لحرب تدميرية تطبّع الحال التونسي بحال البراكين في كل المنطقة.

لطالما اعتبرت أدبيات التطرف أن الديمقراطية هي "بدعة" غربية لا تنطبق على بلاد المسلمين. فالحاكمية لله وليست للشعب، وبالتالي ليست للبرلمان الذي أعلن بيان "داعش" أنه كان المستهدف في باردو. وفي انتماء الجهادية لسلف لا يمتّ بصلة لراهن، فإن تلك الجماعات تمقت حياة العصر وتقتلُ كل فرح تمثله سياحة وسواح.

من أراد قتل السياح الأجانب في متحف باردو، أراد أن يقتل إيمان العالم بالاسثناء التونسي، كما إيمان التونسيين بتجربتهم الذاتية. تستهدفُ العملية القذرة قلب المؤسسات الدستورية التونسية، كما ضربَ القطاع السياحي وما يعنيه ذلك للاقتصاد التونسي وعافية التونسيين (400 ألفاً يعملون في السياحة في تونس). وإذا ما كانت تونس عدواً للظلاميين الجدد، فإن الحرب طويلة، لا تنفصل عن تلك التي تخاض في كل الساحات ضد الإرهاب.

يعتبرُ الاتحاد الاوروبي انه المستهدف الأول من عملية باردو (القاعدة نفذت عام 2002 تفجيراً انتحاريا في مدخل كنيس يهودي في جربة أودى بحياة 14 سائحاً غالبيتهم من الألمان). الهدف أوروبي في تونس ومعظم الضحايا أوروبيون يسقطون في تونس. أوروبا مستهدفة من جديد، وهذه المرة مباشرة (بعد باريس وكوبنهاغن مؤخراً)، بحيث باتت أوروبا ذاهبة إلى تدبير نوعي يرد عنها أيضاً ما يقذفُ به العبث في ليبيا (حيث تلقى منفذا هجوم باردو تدريباتهم) من أخطار لا يبعدها إلا الفاصل المائي للبحر المتوسط.

قد تمثّل عملية باردو فائضَ قيحٍ يخرج من ورمٍ بات يهددُ كل منطقة شمال أفريقيا. وقد تجوز مراقبة التطورات المقبلة في ليبيا، كما تطور الموقف الجزائري (المتحفّظ على أي تدخل خارجي)، كما حراك الاوروبيين بشأن أمنهم، لاستنتاج مآلات ما بعد الجريمة. يبقى أن تونس تمثّل للعالم، بالمعنى الجيوسياسي، كما للتونسيين، بالمعنى الوجودي، حالة استثناء وجبت صيانها والدفاع عن فرادتها.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
هذه الترامبية التي تقلق إسرائيل!
2017-05-19
هل من صدام مقبل بين إيران وباكستان؟
2017-05-12
ماكرون رئيساً: فرنسا تعيد تصويب التاريخ!
2017-05-08
وثيقة حماس: ضجيج من أجل الهمس!
2017-05-05
لا إصلاحيون في إيران.. نعم لرئيس محافظ!
2017-05-01
هل تتطلب 'التسوية الكبرى' زعامة مروان البرغوثي؟
2017-04-28
نعم مارين لوبن تقترب جدا من أبواب الاليزيه!
2017-04-21
روسيا ترد على الغرب بدبلوماسية 'قلة الفهم'!
2017-04-14
توماهوك الشعيرات: قراءة بيتية أميركية!
2017-04-10
المزيد

 
>>