First Published: 2015-03-29

إعلام بلا إعلان

 

الخلاف ليس في سطوة الإعلانات على وسائل الإعلام، بل في اختيار المجتمعات لخطابها وتنظيم أنفسها في ديمقراطية جديدة من الأفكار والمعلومات، وتغيير مفاهيم السلطة، وإطلاق الإبداع الفردي، ومقاومة خنق حرية التعبير.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

مرت استقالة بيتر أوبورن كبير المعلقين السياسيين في صحيفة ديلي تلغراف قبل أيام مع تداعياتها المتسائلة والمتهكمة في آن، وبسبب فكرة متأخرة جدا عن دور الإعلان في الصحف، لكنه سرعان ما عاد ثانية في وصف قاس عندما اعتبر وجود المواد الإعلانية كالماء الآسن في مجاري الصرف الصحي، الإعلانات تبعث برائحة كريهة في الصحف! وفق تعبير أوبورن.

مازال الجمهور ينصت لهذا الصحفي ويبدو أن ردة الفعل كانت أشبه بأن نتركه يتكلم، لا أكثر، حين أعاد كلامه السابق هذا الأسبوع مؤكدا أن الإعلانات ليست سوى توجه رأسمالي أناني كريه لا يتوافق في كل الأحوال مع اعتبارات المجتمع.

المثير في الأمر أن بيتر أوبورن طالب بتدخل السياسيين لحماية المجتمع من وجود الإعلانات في وسائل الإعلام، مع أنه أقر بأن الإعلانات كانت ومازالت منذ مئات السنين تمول الصحف ومن ثم التلفزيونات، إلا أنه قال “الإعلانات ليست كرة قدم يركلها السياسيون، بل أداة تبلور القيم الأخلاقية التي يسير وفقها المجتمع″.

فيما برر استقالته الأسبوع الماضي من الصحيفة بالحاجة إلى تقييم العلاقة بين الإعلانات وسياسة التحرير.

مثل هذا الكلام دفع اللورد بيتر بيل أحد أهم خبراء الإعلان والتسويق في بريطانيا، إلى التعليق والتهكم، واصفا أوبورن كمن يستيقظ على سرير مختلف عما كان ينام عليه كل تلك السنين السابقة!

وعبر اللورد بيتر الذي كانت تثق بآرائه رئيسة الوزراء الراحلة مارغريت تاتشر، عن استغرابه من دعوة أوبورن للسياسيين إلى التدخل في تحديد مسار الإعلانات في الصحف، قائلا “لم أسمع أبدا في حياتي مثل هذا الهراء”، فالدعاية السياسية مفهوم مختلف وهي ليست الإعلان برمته، بل وسيلة من وسائل الإعلان.

ومع أن متحدثا باسم ديلي تليغراف ذكر في حينها أن “التمييز بين الإعلان وعملية التحرير هو من أولويات عملنا”، إلا أن ثمة زاوية في مثل هذا الكلام تبدو من الأهمية بمكان أن تدار على واقع الإعلام العربي.

فلم يحدث أن استقال صحفي عربي تحت هذا التسويغ الإعلاني، ولا أتوقع أن يحدث، فنحن متفقون في دواخلنا على الطريقة التي تبنى بها وسائل الإعلام العربية، فهي إما أن تكون مشاريع تمثل الحكومات التي تنفق عليها من أجل نقل خطابها بالطريقة التي تعتقدها أسلم، وإما مشاريع حزبية، وهنا ستقدم خطابها وكذلك الإعلان بمثابة خدمات صحفية تقدمها للسياسيين من أجل استمراريتها.

هل يعني هذا ليس ثمة إعلام مستقل؟ أرى أن السؤال سيكون أجدى إن تحدثنا عن إعلام عالي المسؤولية متمسك بمهنيته.

صحيفة مثل الغارديان، التي تمولها منظمة “سكوت تروست” الخيرية، وشقيقتها “الأوبزرفر” وتميلان إلى الخط الديمقراطي الليبرالي، لا يمكن ان تتخليا عن الإعلان، لكن السؤال لماذا تمول هذه المنظمة الخيرية الصحيفة وتحت أي شروط، هل تدفعها إلى التنازل عن قيم التحرير؟

نحن نتحدث هنا عن منظمة خيرية وليست حزبية أو حكومية، وسيمتلك السؤال مواصفات أوضح إن كان الممول حزبا سياسيا أو حكومة أو حتى رجل أعمال، كما هو الحال مع روبيرت مردوخ في صحف التايمز والصن.

رئيس تحرير سابق مثل آلان روسبردغر في معرض دفاعه عن الصحافة، يرى أنه لا يمكن معاملة صناعة الخبر وبيعه كبيع عرض تحليلي لفيلم سينمائي جديد. وهو ما يدحض فكرة بيتر أوبورن عن علاقة الخط التحريري بالإعلان، لأن المجتمعات الديمقراطية لا تقبل التنازل عن اتجاهات قائمة وراسخة من أجل صناعة تجارية.

فالخلاف ليس في سطوة الإعلانات على وسائل الإعلام، بل في اختيار المجتمعات لخطابها وتنظيم أنفسها في ديمقراطية جديدة من الأفكار والمعلومات، وتغيير مفاهيم السلطة، وإطلاق الإبداع الفردي، ومقاومة خنق حرية التعبير، وفق مفهوم روسبردغر.

يدرك أوبورن مثل غيره من الصحفيين أن وسائل الإعلام ستدخل في غياهب النسيان إذا أدارت ظهرها للمجتمع من أجل أنانية تجارية.

مع أن الأسباب التجارية قائمة في المشروع الصحفي، وهو ما دفع بعض الصحف إلى فرض رسوم على المحتوى الإلكتروني، إلا أن التعامل مع أسباب أهم تدفع الصحف إلى التقرب أكثر من العالم المعاصر، وأن يجد القارئ نفسه في الصحيفة كي لا يرميها من الوهلة الأولى.

ما نحتاجه في تحمسنا للمستقبل التركيز على الصحافة كمفهوم وليس كنماذج للأعمال التجارية.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
عدسة كوبيرن الصحافية غير رؤية ماثيو للعالم العربي
2017-11-05
نايبول ونكهة طعام نظيرة
2017-10-31
الحكومات تريد أن تبقي الصحف على قيد الحياة
2017-10-29
الرجل كسول، ماذا عن المرأة؟
2017-10-24
الصحافة جبانة قبل أن تكون شجاعة
2017-10-22
إليسا ليست مطربة
2017-10-17
نكبة الإعلام في العراق
2017-10-15
المزيد

 
>>