First Published: 2015-04-01

العراقيون وقد أقاموا في زبد سيذهب جفاء

 

العراقيون يفاخرون بقدرتهم الهائلة على الاستهلاك. استهلاك كل شيء، من غير التفكير بثمن ذلك الـ'كل شيء'.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

يقول الخبير الاقتصادي "العراق يستورد كل شيء. كل شيء ويصدر بضاعة واحدة هي النفط". وهذا يعني ان العراقيين لا يصنعون ولا يزرعون. اي انهم لا يعملون في ظل غياب كامل لخطط التنمية.

في المقابل فإن العراقيين يفاخرون بقدرتهم الهائلة على الاستهلاك. استهلاك كل شيء، من غير التفكير بثمن ذلك الـ"كل شيء". وهنا لا اقصد بالثمن المقابل المادي وحده، بل وبشكل اساس الفرص المضاعة والمهدورة لبناء الحياة الحقة.

يقول لك العراقي العادي بزهو "في الاسواق العراقية يوجد كل شيء" متناسيا أن ذلك الـ"كل شيء" يقابله "لا شيء" على مستويات التعليم والصحة والثقافة والرعاية الاجتماعية وغيرها من الخدمات الرئيسية التي تتعلق بالبنية التحتية المنهارة كالكهرباء وماء الشرب والمجاري وشق الطرق وبناء الجسور.

وقبل كل هذا فإن العراق بلد قابل للانهيار في اية لحظة، فهو لا يقوى على حماية نفسه من اي تهديد خارجي ذلك لأنه لا يملك جيشا، وهو ايضا لا يقدر على حماية مواطنيه من الارهاب والجريمة، ذلك لأنه لا يملك أجهزة أمنية حقيقية.

اما على مستوى الاقتصاد فانهياره سيكون مروعا، ذلك لان خزانته خاوية دائما وهو ما يعني أنه لا يملك فائضا ماليا يعينه على مواجهة المفاجآت. كما حدث حين انخفضت اسعار النفط، وهو بضاعته الوحيدة.

العراقي الذي يدهشه أن أسواقه صارت عامرة بالبضائع التي لا يحتاجها، قد لا يدرك خطورة الوضع الذي هو فيه. ذلك لأنه دفع ثمن تلك البضائع من أمنه الشخصي وصحته وثقافته وتعليمه ومستقبل أبنائه.

لقد تأسست عبر القارات شركات، الكثير منها وهمي، مهمتها استنزاف ثروات العراق من خلال ضخ بضائع كمالية إلى بلد، يفتقر إلى أدنى مقومات العيش الإنساني الكريم. وإلا هل يعقل أن يقوم العراقيون بكسو حدائقهم المنزلية بالعشب الجاهز وتزيينها بشتلات الورد القادمة من الصين، فيما تحيطهم المجاري بمائها الآسن؟

ألا يمكننا الحديث هنا عن تواطؤ خبيث ومضلل بين الشعب اللاهي عن محنته والحكومة المهتمة بحماية أفرادها؟

لقد طويت صفحة الخدمات الاساسية كما يبدو إلى الابد.

فلا أحد يتحدث عن الكهرباء التي صارت حكرا على القطاع الخاص. لا أحد يتذكر أن العراقيين في أسوأ أحوالهم لم يعرفوا المياه المعبأة في القناني. لا أحد يرى مشكلة في أن العراق يستورد البصل والطماطم والبطاطا والباميا والباذنجان وهو الذي كان يوما ما يصدر أرقى أنواع الرز. لا أحد يشعر بالعار وهو يهتف لميليشيا الحشد الشعبي التي تتصدى لداعش، بعد أن تم اخفاء جيش جرار، يفوق عدد أفراده النصف مليون. لا أحد يشكو من انهيار التعليم وتدني قيمة الثقافة في بلد حقق أبناؤه قبل عقود مستوى قياسيا في في الحصول على الشهادات الجامعية. لا أحد يرفع يده احتجاجا على ما أنتهى إليه القضاء العراقي من رثاثة طائفية، حين كان العراقيون مهددين بتطبيق قانون الاحوال المدنية الجعفري الذي كان ينص على جواز تزويج الاطفال في سن التاسعة.

هناك فوضى هائلة في العراق. هذا صحيح، غير أن تلك الفوضى تبدو منظمة في ما يتعلق بهدر المال العام، بطريقة تحرم العراقيين من إمكانية بناء حياتهم على أسس ثابتة، مستقرة، بما يمنع سقوطهم في فخ المفاجآت الكئيبة كما هو حالهم اليوم مع داعش.

ما يحتاجه العراقيون فعلا أن ينبذوا هذا الـ"كل شيء" التافه الذي هم فيه ويتفحصوا الـ"لا شيء" الذي هم في حاجة ماسة إلى محتوياته، من تعليم وطب ورعاية اجتماعية وسواها من الخدمات التي من شأنها أن تحسن من مستوى أدائهم الإنساني.

لقد آن لهم أن يعترفوا بأنهم لا يملكون شيئا.

وأن "كل شيء" الذي يملأ أسواقهم ما هو إلا زبد سيذهب جفاء.

عليهم أن يبحثوا عن ذلك الشيء الذي يمكث ف الارض لإنه ينفع الناس.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
آن لقطر أن تلتفت إلى وجودها
2017-04-26
بين الزرقاوي واركون
2017-04-25
الخوف من الوطن
2017-04-24
هل ستفلت إيران من عاصفة ترامب؟
2017-04-23
نصيحة الحكام
2017-04-22
حصاد سنوات الصمت
2017-04-20
غد لمَن لا غد له
2017-04-19
اردوغان المرضي عنه غربيا
2017-04-18
سوريا بين الأهل والغرباء
2017-04-17
متى يلتفت العرب إلى أنفسهم؟
2017-04-16
المزيد

 
>>