First Published: 2015-04-02

الثقافة لخدمة السياسة.. الإمارات نموذجا

 

أنت أمام حالة نادرة من الهم العربي، أفلحت دولة الإمارات في مواجهته ثقافيا، وتحاول بشكل غير مباشر التخفيف من وطأته السياسية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

هناك دول تختار المناكفات السياسية كطريق تقبل السير فيه، لتلفت الانتباه إليها، وأخرى تلجأ للمشاغبات الإعلامية كوسيلة لإحداث الضجيج، وتؤكد أنها موجودة على الخريطة العالمية، وثالثة تستثمر إمكانياتها التاريخية والحضارية للقيام بأدوار تتناسب مع طموحاتها الإقليمية، ورابعة تصنع لها مكونات ثقافية خاصة توظفها كقوة ناعمة أساسية، تعزز بها مكانتها في الدائرة العربية.

ربما تتداخل أو تتباعد التصنيفات السابقة، لكن تبقى الإمارات واحدة من الدول التي نجحت خلال فترة قصيرة في أن تكون لها بصمات مؤثرة على الخريطة الثقافية، تجذب إليها نخب وشخصيات من جنسيات عربية مختلفة، من خلال مهرجانات ومسابقات متعددة، تحولت بسرعة إلى مناسبات ضاعفت من الدور الذي تقوم به الإمارات على الساحة العربية، فقد وسعت من دوائر اهتمامها في هذا الفضاء، حتى غطت تقريبا غالبية فروع الثقافة، بدءا من مهرجانات السينما وحتى معارض الكتب، مرورا بمسابقات في مجالات الصحافة والرواية والكتاب والشعر.

الأسبوع الماضي حضرت بدء الموسم السادس لمهرجان أمير الشعراء في أبوظبي، وهي مسابقة أصبحت تحظى بجماهيرية عربية كبيرة، لجديتها وقدرتها على تقريب شعر الفصحى إلى وجدان كثير من الشعوب العربية، وكنت أتصور أنني سوف أشاهد منافسة عادية بين شعراء جاءوا من دول عربية للحصول على اللقب وحصد قيمة جائزته المادية.

لكن تأكدت أن المسابقة تنطوي على جملة كبيرة من الملامح والأفكار السياسية، أعتقد أنها لم تكن خافية على أكاديمية الشعر ومديرها سلطان العميمي وزملائه المخلصين في دولة الإمارات، والتي أخذت على عاتقها دعم سلسلة من البرامج الجادة، حتى أضحت أبوظبي في النهاية عاصمة جديدة للثقافة العربية، تضاف إلى عواصم تاريخية مثل القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق.

عندما يقف أمامك على مسرح الراحة في أبوظبي عشرون شاعرا دفعة واحدة، تجد نفسك ترى صورة مصغرة للعالم العربي، فهؤلاء جاءوا من دول مختلفة، كل واحد يحمل على عاتقه، ليس فقط طموح الفوز باللقب، لكن مهمة تمثيل بلده بشكل مشرف، وعندما تعبر غالبية القصائد التي ألقاها أربعة شعراء في الأسبوع الأول من مسابقة أمير الشعراء، عن مشاكل وأزمات أوطانهم، فأنت أمام حالة نادرة من الهم العربي، أفلحت دولة الإمارات في مواجهته ثقافيا، وتحاول بشكل غير مباشر التخفيف من وطأته السياسية، خاصة أن ذيوع المنافسة وبثها على عدد من القنوات العربية وفر لها مساحة جديدة من الانتشار على طول وعرض الوطن العربي.

الدور الثقافي الذي تلعبه الإمارات ساهم في تقريب المسافات بين الشعوب العربية، في وقت كادت أن تتقطع فيه السبل بينها، بسبب الخلافات السياسية والنزاعات المسلحة والصراعات الطائفية، فكل ذلك يتلاشى في هذه المسابقات، وتبدو العلاقات شبه طبيعية، وإذا تم التطرق إليها تجد أقسى عبارات الشجب والإدانة، وهو ما يمكن أن يخلق حالة جيدة لنبذ العنف والابتعاد عن الأشكال السلبية الناجمة عن الحساسيات المفرطة، حيث يشعر المرء بذوبان الهوة، وهو يرى هذه النوعية من المنافسات الشريفة، البعيدة تماما عن الخلافات التقليدية.

كما قدمت هذه المسابقة الثرية نموذجا جيدا لفرز المواهب في أوساط الشباب العربي، وتأكيد قيمة العمل والإخلاص فيه، وسط موجة عارمة من البرامج الهابطة، علاوة على ما تنطوي عليه من أفكار تصب في صالح أهمية التعاون والعمل العربي المشترك، وتشجيع التنسيق والتعاون، فالمنافسة في مجال الشعر والثقافة عموما، لها رونقها الخاص، حيث تدعم القيم الساعية إلى الوحدة، بصورة يمكن أن تفجر معها ينابيع المحبة، بدلا من التناحر، وأفلحت الإمارات في أن تكون واحدة من المنارات الجاذبة للمواهب العربية، وأعادت الاعتبار لقيمة الثقافة والفكر، في زمن قل فيه ذلك.

الأمر أحيانا لم يخل من طرفات، على رأي الدكتور صلاح فضل عضو لجنة التحكيم التي تضم أيضا الإماراتي علي بن تميم والجزائري عبدالملك مرتاض، فقد يأتي شاعر من اليمن أو الصومال وبلده حافل بالأزمات ويلقي قصيدة يتغزل فيها بمعشوقته، هنا قد ينظر للمسألة بنوع من الريبة والشك، لكن النتيجة النهائية أن الحروب والصراعات مهما بلغت حدتها، وسوف تظل المشاعر الإنسانية حاضرة، وهذه واحدة من الانعكاسات الواضحة لمسابقة في حجم ووزن أمير الشعراء، تتطرق في مراحلها اللاحقة إلى ارتجال الشعر على الهواء مباشرة، وانهماك المتنافسين في الرد السريع على قصائد تلقى عليهم مرة واحدة، وهذا اختبار يؤكد جدية المسابقة، والحرص على مصداقيتها، والرغبة في الحفاظ على مكانتها كمنبر لتقديم المواهب الحقيقية.

البعد السياسي في الحلقة الأولى من الموسم السادس تجلى باقتدار في الأوبريت الذي قدمه المطرب الإماراتي حسين الجسمي والسعودي عبادي الجوهر، بعنوان "تشبه الأوطان دوما أهلها"، وكان مثيرا وجذابا وحكيما، فقد كشف عن عمق العلاقات بين دولتي الإمارات والسعودية، حيث شدا المطربان بأوبريت أو أغنية سياسية بامتياز، أكدت خصوصية الروابط بين البلدين، لاسيما في البيت الذي يقول "وإذا مد خليفة يده مد سلمان له كف الإخاء".

وقد كتب القصيدة شاعران أحدهما كريم معتوق من الإمارات (أمير شعراء الموسم الأول)، والآخر جاسم الصحيح من السعودية (حاز على المركز الثالث في الموسم الأول)، وقال الدكتور علي بن تميم إن "الأوبريت تحية محبة وتقدير من أمير الشعراء إلى العاصمة أبوظبي والتي تنقل هذه التحية إلى السعودية". ولم يكن الأوبريت منفصلا عن الحالة السياسية الإيجابية السائدة حاليا بين البلدين، فقد بدا لكثيرين أنه تكريس من نوع جيد لها، وتأكيد على أن الأفق الذي ينتظرها بلا حدود.

الأوبريت المبهر فنيا وثقافيا وسياسيا، حمل عنوانا لخص الكثير من المشاهد والأفكار التي يمكن أن يخلص بها المراقب من مسابقة مثل أمير الشعراء، فجملة "تشبه الأوطان دوما أهلها"، تكشف أسباب حرص الإمارات على التمسك بالمسار الثقافي ودعمه والسعي لنشره عربيا، وتجاوز العقبات والخلافات، لأن قيادتها وشعبها لديهما رغبة كبيرة في تجسير الفجوة بين الشعوب العربية، وهنا تبرز أهمية الدور الثقافي البعيد في خدمة الأهداف السياسية النبيلة.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
المزيد

 
>>