First Published: 2015-04-03

العراق: أن نحارب داعش ولا نضرب الإرهاب!

 

في العراق من بات يرى أن داعش ليست علّة عراقية تموت بإجراءات عراقية، بل هي امتداد لعلل المنطقة التي لن تزول إلا بتسويات تاريخية عصيّة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

لا شيء يوحي أن حرب بغداد على داعش ستجتثُ آفة الإرهاب، ولا شيء يشي بأن تبدلاً جذرياً ينتهجه حكم ما بعد صدام حسين لصهر العراقيين داخل مشروع الوطن الواحد. وما يراد منه أن يكون معركةً وطنية جامعة ضد عدو العراقيين الواحد، قد يؤسس لدينامية ولادة جديدة لإرهاب جديد، أو قد يُعيد استدعاء إرهاب عتيق ما برح يفتك بالعراقيين منذ سقوط النظام القديم.

في نظرة العراقيين للمعركة الحالية ضد تنظيم أبو بكر البغدادي لبسٌ ووجهات. وفي تحليق المراقب فوق منطقة وأخرى تمرينٌ في اكتشاف التباين في تقييم الورشة الناشطة بيتياً وإقليمياً ودولياً ضد الإرهاب. فلطالما شهدت مدن العراق وأزقته جرائمَ يتمُّ تقييمها، إدانتها أو "تفهمها"، وفق الانتماءات الطائفية لمرتكبيها. وما يُعدُّ إرهاباً لأوليّ الحكم في بغداد لطالما اعتبره آخرون مقاومة مجيدة. ولئن قدمت داعش رواية للعنف لا يمكن لطرف تبنيها، إلا أن تلك الجماعات، مهما تعددت مسمياتها، لطالما وجدت تفهماً وبيئة حاضنة لدى شرائح من العراقيين، بوصفها ردّ فعل على حال الاضطهاد والتهميش الذي مورس ضدها منذ مراسيم الحاكم الأميركي بول بريمر.

العراقُ منقسمٌ طائفياً. ليس في ذلك اكتشاف جديد، سوى أن الإطاحة التي تمت بإبن حزب الدعوة نوري المالكي وبسياسته الاستفزازية، وإحلال إبن حزب الدعوة حيدر العبادي مكانه، لم يضمدا جراح سنين الغزو، كما لم يلحظا تلك الهوة التي باتت تفصل، بنسب متفاوتة، بين سنّة البلد وشيعته. في العراق من يعتبر إيران احتلالاً تجوز ضده تدابير مقاومة أي احتلال، وفي العراق من يعتبر أن إيران حليفاً يدافعُ عن البلد دون غيره، ويدفعُ عن البلد عودة "الديكتاتورية" وتمركز الارهاب. بين هذا وذاك يروج خطاب رسمي يعتبر أن إيران هي قدرُ الجغرافيا والتاريخ، حيث لا مفر من الجغرافيا ولا من التاريخ.

يخرجُ العراق عما هو شبه اجماع عربي بشأن "عاصفة الحزم" في اليمن. لسانُ حال بغداد رفض العراق لتدخل دولة في شؤون دولة أخرى. يهزُّ كثير من العراقيين رؤوسهم وتجحظ أعينهم تبرماً من وقاحة هذا المنطق اذا ما شوهد في عين التدخل الإيراني السافر في بلادهم. يصول قائد فيلق القدس، التابع للحرس الثوري الإيراني، اللواء قاسم سليماني ويجول في العراق، وبشكل علني مقصود، لقيادة "الحرب العراقية" ضد داعش، فيما قائد الحشد الشعبي هادي العامري يمجّد أفضال الرجل ويعتبره منّة إيرانية وجب حمدها. في ذلك أن ما يراه البعضُ اجتياحاً إيرانياً لبلادهم يدركه آخرون تواجدا محدودا لـ "مستشارين" مشكورين.

يدافعُ وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري عن موقف بلاده في قمّة شرم الشيخ. يدفعُ الرجل عن حكومته تهمة الطائفية وفق الهوى الإيراني. يعتبرُ ببساطة أن الموقف الرافض للتدخل العسكري في اليمن هو مبدئي لا علاقة له بمزاج طهران. فإذا ما وقفت بغداد مع ما يتواءم مع الموقف الإيراني في سوريا واليمن مثلاً، فذلك لا يعدو عن كونه تطابقا منطقيا في وجهات نظر البلدين، قد يوحي بنهائية الارتباط العضوي بين البلدين على ما أوحت الإشارات الإيرانية الصادرة مؤخراً من طهران.

تؤكدُ إيران في العراق أنها صاحبة القرار الأول سواء حكم "حليفنا" نوري المالكي أو "حليفنا" حيدر العبادي. في عهد الأخير يرتقي الأداء الإيراني إلى مستويات متقدمة تنضحُ بهيمنة علنية لا خجل فيها ولا مداراة. يتولى "المستشارون" بقيادة سليماني تحرير العراق من داعشه (قائد القوة البرية في الجيش الإيراني، العميد أحمد رضا بوردستان، يتحدث عن توغل خمسة ألوية عسكرية إيرانية إلى مسافة 40 كيلومترا داخل الأراضي العراقية ضمن حدود محافظة ديالى). يعلنُ علي يونسي مستشار الرئيس "المعتدل" حسن روحاني بغداد عاصمة لأمبراطورية بلاده. ويقوم "أبطال" الحشد الشعبي المرتبطين مباشرة بنظام الوليّ الفقيه بالزود عن الوطن ويعملون على تحرير المدن المخطوفة من سطوة أبو بكر البغدادي وصحبه. وقد تحتمل المهمة الجليلة أعراضاً جانبية تمررُ إرتكاب "تجاوزات" تغضبُ أولي الأمر في واشنطن وتُقلق الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، فيأتي مهرولاً إلى بغداد، ولا يجدها الحاكم في بغداد إلا تفاصيل هامشية مزعومة يجري التقصي عنها عبر لجان ومحققين.

يراقبُ سليم الجبوري رئيس البرلمان أمر ذلك، ويؤكد بدوره أن التحقيقات جارية على قدم وساق، ويخرج بالتوصية السحرية: "لا يمكن طرد داعش إلا بأيادي السنّة". تتعايشُ النخبة الحاكمة مع الحقد الطائفي الميداني بصفته صار جزءا من هوية البلد ويومياته. في مكافحة ذلك، لا سيما المُرتكب حديثاً، تتكوّم وعود المسائلة والحساب. وفيما الورشة ضد داعش تبررُ استدعاء العامل الإيراني، فإن نفس الورشة تدفعُ الجبوري لممارسة نفس التمرين في تركيا. في ذلك أن بغداد، المحرجة من فرضيات التبعية لإيران والمرتبكة من قصص الانتهاكات التي تمارسها جماعات شيعية مقاتلة ضد مدن سنّية، تستطلعُ امكانات أنقرة وجهوزيتها للإدلاء بدلوها في معركة الموصل المقبلة. على ذلك، يصبحُ الإقبال على تركيا موازياً لذلك الإقبال على إيران في معادلة رتيبة تعكس "عادية" استدراج الإنقسام الإقليمي ليستجيب لخرائط الإنقسام المحلي.

تحت سقف مجموعة الخمسة زائداً واحد، تفاوض الولايات المتحدة إيران بهمّة عالية وحماس لا يكلّ. تتبرمُ واشنطن من أداء الجماعات الشيعية في صلاح الدين، تتراكمُ التصريحات المندّدة ويصلُّ رئيس مجلس النواب الأميركي جون بينر مستطلعاً. يكرر الأميركيون ما سبق ورسموه من أنهم لن يتبرعوا بتوفير غطاء جوي لميليشيات طائفية. يشيدُ رئيس السي آي إيه الحالي جون برينان بجهود إيران لمحاربة داعش، فيما رئيس السي آي إيه السابق ديفيد بترايوس يعتبرُ إيران أكثر خطراً على العراق من داعش. في ركاكة المواقف يراقبُ المواطن العراقي بحسرة استباحة بلاده المستمر من هذا وذاك منذ الغزو الشهير قبل اثني عشر عاماً، ويتأملُ هذا التنافس الأميركي الإيراني الحالي على التناوب أرضاً وجواً على ما يشبه التواطؤ في اخضاع العراق والعراقيين.

بعد تكريت سيكثرُ الحديث عن المعركة المقبلة. تجري الحرب وتقوم قواعدها على أساس سلامة النظام. ليس سلامة النظام في العراق فحسب، بل سلامة الوصيّ الإيراني وطموحاته. ولأن المعركة تتجاوزُ حدود العراق، فإن بغداد حريصةٌ على عدم تقويض سعيّ طهران في اليمن كما سعيها المصيري في سوريا. المعركةُ ضد داعش في العراق تتأثرُ حكماً بمجريات العمليات الحربية اليمنية. في العراق من يعتبر أن سقوط الحوثيين سيصوّب نتائج الحرب ضد داعش في العراق باتجاه اعادة التوازن لاختلال مضني في ادارة البلاد. وفي العراق من يعتبر أن رفدَ الحليف الحوثي أضحى شرطاً من شروط القوة على المستوى الإقليمي الكبير. وفي العراق من بات يرى أن داعش ليست علّة عراقية تموت بإجراءات عراقية، بل هي امتداد لعلل المنطقة التي لن تزول إلا بتسويات تاريخية عصيّة.

في غياب ذلك لن تعمل الحرب ضد داعش، وفق الأداء الطائفي الحالي، إلا على تسعير أحقاد تبدل العنف بالعنف والارهاب بالارهاب. صدق العراقيون حين يرددون "هذا العراق يا عالم".

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
بارزاني ينتج ببراعة أمصالا مضادة لاستقلال دولته؟
2017-09-22
حماس تحل حكومتها: انتصار القاهرة!
2017-09-18
انتصار الأسد ونصرالله وشتائم المعارضة لدي ميستورا!
2017-09-15
حزب الله والجيش اللبناني: الصراع المؤجل!
2017-09-12
سوريا: هل تحتاج التسوية إلى حرب تشنها إسرائيل؟
2017-09-08
مفاجأة واشنطن: ترامب ينقلب على باكستان!
2017-08-25
مفاجآت الأعرجي...
2017-08-18
وزراء لبنان في دمشق: مآلات العهد
2017-08-14
سكون الحريري وضجيج هيلي
2017-08-11
سوريا: هل تعدّ الرياض المعارضة لمقاربة الحل الروسي
2017-08-07
المزيد

 
>>