First Published: 2015-04-03

العراق بين الحمامة والعمامة

 

كان واضحا قبل أن يقع الغزو الاميركي أن مشروع الاحتلال انما يقوم بشكل اساس على العمائم السنية والشيعية والكردية. فعلى أي من تلك العمائم ستبني حمامة السلام الشيوعية عشها؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

يشعر المرء بالحيرة حين يعرف أن هناك حزبا شيوعيا عراقيا لا يزال قائما. لا لأن الشيوعية قد انتهت في العالم، بل لأن عالم العقائد بأسره لم يعد يغري أحدا. لقد تبدل العالم. الآن ليست هناك عقائد جماعية سوى تلك التي تحرك المتطرفين وتغلق الطرق أمام البشر العاديين الذين يرغبون في العيش الكريم في ظل حياة حرة.

لقد كان حريا بالحزب الشيوعي العراقي وقد تأخر كثيرا عن مسايرة الاحزاب الشيوعية الاخرى في العالم أن يعلن عن نهايته حين انتهت سلطة حزب البعث بعد الاحتلال الاميركي للعراق.

كان وجود حزب البعث في السلطة الذريعة الوحيدة التي كان يشهرها الشيوعيون أمام أنفسهم تبريرا لتمسكهم بالعقيدة الشيوعية. وهو ما جعلهم يحتمون بتجمعهم القطيعي كما لو أنهم أبناء قبيلة، تعيش بين المنافي بسبب القمع والاضطهاد اللذين مورسا بحقها من قبل النظام الحاكم في بغداد.

كانت تلك القبيلة تجتر ذكرياتها النضالية بعد أن حرمت من سبل النضال الواقعي وسط الجماهير التي صارت مع الوقت كيانا افتراضيا .

اما حين سقط نظام البعث فقد التبس الامر على الشيوعيين وهم يرون حمامتهم وهي رمزهم تحط في عش المحتل الاميركي. يومها نفض الكثير منهم يديه من الانتماء الحزبي وقرر أن يكون شيوعيا بطريقته الخاصة، اما أبناء القبيلة الذين كانوا على يقين من أنهم سيواجهون الضياع في ما تبقى من ايام عمرهم لو أنهم تخلوا عن الحزب فقد انغمسوا في مشروع الاحتلال، وهذا ما يعني أنهم فضلوا الخيانة (خيانة مبادئ الحزب ومن ثم الوطن) على ضياعهم الشخصي.

ولكن حلا من ذلك النوع لم يكن منصفا لما انطوى عليه من سخرية من التاريخ وابتذال، كانت النفعية الانتهازية شعارا له.

لقد كان واضحا قبل أن يقع الغزو الاميركي أن مشروع الاحتلال انما يقوم بشكل اساس على العمائم السنية والشيعية والكردية. فعلى أي من تلك العمائم ستبني حمامة السلام الشيوعية عشها؟

تاريخيا فإن الحزب الشيوعي كان دائما كيانا سياسيا غير مرحب به من قبل العمائم. نهاية الخمسينات من القرن الماضي أصدر محسن الحكيم، وكان يومها المرجع الديني الاعلى للشيعة فتواه التي نصت على أن الشيوعية كفر والحاد.

بعد تورطهم في مشروع الاحتلال روج الشيوعيون لفكرة أن تلك الفتوى كانت ملفقة. وهي فكرة لم ترق لعمائم النجف فلم تقابلها إلا بمزيد من التجهم. وحين رشح زعيم الحزب الشيوعي العراقي نفسه ضمن قوائم التحالف الشيعي من أجل الوصول إلى مجلس النواب خرج صفر اليدين وباء مسعاه بالفشل. لقد حاول الرجل أن يخدع الشارع بشيعيته، غير أن سمعته الشيوعية كانت قد خذلته.

فهل انتصرت العمامة يومها على الحمامة؟

من وجهة نظري فإن الحمامة كانت قد هزمت منذ وقت بعيد ولم تكن الهرولة وراء مشروع الاحتلال بما انطوى عليه من خيانة ومهانة وتخل عن المبادئ سوى نتيجة طبيعية لفشل سياسي أمتد لعقود، كان الشيوعيون خلالها يجدون في نظام البعث الحاكم في بغداد سببا قاهرا يمنعهم من العمل بين الجماهير.

في الحقيقة فإن الشيوعيين كانوا قد قبلوا بالهزيمة صاغرين يوم قررت قيادتهم عام 1979 الالتزام بفقرات اتفاق سوفياتي ــ عراقي ينص على مغادرتها الاراضي العراقية. يومها طارت الحمامة لكي لا تعود مرة أخرى.

سيقال إن القيادة الشيوعية يومها كانت قد غدرت بقواعدها، غير أن ما يجب الاعتراف به انصافا لتلك القيادة، إنها كانت حريصة على انقاذ أكبر عدد ممكن من أتباعها من الابادة.

غير أن ذلك لا يعني شيئا أمام تخليها عن المقاومة والصمود أمام مخططات ازاحتها من المشهد السياسي العراقي. ففي المنافي التي عاش فيها الشيوعيون لم يكن النضال الشيوعي ممكنا. لقد عاش شيوعيو العراق سنوات طويلة بإعتبارهم زبائن مقاه وحانات ليس إلا.

اما حين أعادهم حزبهم إلى العراق فلم يكونوا سوى مرتزقة أعداء. ووكانت حمامتهم قد اختفت منذ زمن بعيد.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
لو لم تكن جماعة الاخوان لما كان داعش
2017-06-26
الحل في مصر أيها القطريون
2017-06-24
المتغير السعودي واستحقاقات العصر
2017-06-22
جنرالات بعمائم في إيران
2017-06-21
الحفلة الإيرانية قادمة
2017-06-20
الحل هو القضاء على الإرهاب لا إعادة تعريفه
2017-06-19
كذبة الممانعة وسياسة التناقضات
2017-06-18
إيران بلد الخرافات
2017-06-17
حين ينتقم العراقيون من أنفسهم
2017-06-15
هل تنتهي الحرب في سوريا بغياب قطر؟
2017-06-14
المزيد

 
>>