First Published: 2015-04-06

الديموقراطية في خطر

 

الوظائف والاستقرار الاقتصادي والتوافق الاجتماعي تسبق الديمقراطية. هذا ما يتعلمه الأوروبيون اليوم من الأزمة وهذا ما ينبغي ان ندركه في البلاد العربية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: عيد الظفيري

"الديموقراطية في خطر". قيلت هذه العبارة أكثر من مرة في محاضرة مارتن شولتز رئيس البرلمان الأوروبي والذي كان في زيارة خاصة إلى العاصمة الاسبانية مدريد خلال مطلع الشهر الماضي. لم يكن شولتز قلقاً على الديموقراطية من تمدد الحركات الإسلامية المتشددة في دول الاتحاد الأوروبي، ولا من تنامي الغزوات الجهادية في قلب أوروبا، ولا من تزايد النزعات الانفصالية في بعض الأقاليم الأوروبية، كما أنه لم يبدِ أدنى تخوف من تأثير المهاجرين على قيم الديموقراطية الغربية كما يفعل العديد من الساسة الغربيين في حملاتهم الانتخابية!

إذاً ما الذي يقض مضجع رئيس البرلمان الأوروبي، ويجعله يكرر تلك الجملة على مسامع الحاضرين أكثر من مرة؟

إن الخطر الذي يتحدث عنه شولتز يكمن في انحسار فرص العمل في السنوات الماضية بشكل مخيف ومثير للقلق. فنسبة البطالة الآخذة في الإرتفاع في ظل أزمة اقتصادية خانقة في بعض بلدان الاتحاد الأوروبي هي بحسب رأيه الخطر الحقيقي الذي يهدد الديموقراطية، لأنها المحرض الرئيس لموجات الاحتجاج التي تشهدها بعض العواصم الأوروبية، والتي بدأت تأخذ منحى يتسم بالعنف والصدام مع قوات الأمن. فهو يرى بأن على الأنظمة الديموقراطية أن تضع الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في سلم أولوياتها قبل تلك القوانين التي تنص على العدل والمساواة والحرية. بمعنى آخر يجب تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين أولاً ثم يأتي دور الديموقراطية من أجل تنظيم الحياة السياسية في الدول.

ولم يكتفِ السيد شولتز بتحذير المجتمع الأوروبي من خطر البطالة على الديموقراطية، إذ دعى إلى انشاء بنك تودع فيه الأموال التي لا يخشى أصحابها من المخاطرة والمجازفة من أجل تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة. ولتحقيق ذلك، يرى أنه لا بد من تأسيس ما أسماه بــ "الثقافة القائمة على المخاطرة برأس المال" في كافة دول الاتحاد الأوروبي. فهو يؤمن بأن هذه الإشكالية هي مـن أكبر العقبات التي يواجهونها في العصر الحديث.

قد يكون سبب قلقه في نظر الكثيرين نوعاً من استدرار العواطف والمشاعر الإنسانية كي يبدو على الأقل بهيئة الرجل النبيل الذي يؤرقه ويحزنه ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية في بعض دول الاتحاد الأوروبي والتي على إثرها بلغت معدلات البطالة أرقاماً مخيفةً غير مسبوقة. لكن في حقيقة الأمر أن من أطلع على ما يكابده الشبان الأوروبيون من عناء ومشقة في سبيل الحصول على وظيفة، سيدرك أبعاد تلك الجملة التي عبرت عن مخاوف السيد شولتز، وهو يوجه حديثه إلى النخب السياسية والإعلامية بلغة واضحة ومباشرة.

مشكلة البطالة في أوروبا ليست متعلقة بنقص في المؤهلات العلمية والخبرات العملية التي يتطلبها سوق العمل، إنما جوهر المشكلة هو أن طبيعة النظام الرأسمالي تقتضي التعامل مع البشر بحسابات الربح والخسارة دون النظر إلى المآسي الإنسانية التي تسببها للأسر العاملة جراء فقدان مصدر رزقهم الوحيد.

الديموقراطية وإن كانت تمثل أسمى ما انتجته الحضارة الغربية من مبادئ إنسانية راقية، إلا أنها أصبحت غطاءً تختبئ خلفه الأطماع والطموحات الشخصية للقادة السياسيين وملاك الشركات الكبرى. وهذا بالضبط ما أراد شولتز التعبير عنه وهو يتساءل: كم من الوقت يحتاج الشاب الأوروبي الذي لا يجد عملاً يسد به حاجاته الأساسية من مأكل ومشرب كي يحصل على فرصة عمل حقيقية توفر له الطمأنينة والاستقرار؟ ثم يمضي إلى أبعد من ذلك ويعلن بصراحة تامة أن المواطنين اصبحوا لا يثقون في زعمائهم السياسيين الذين اسرفوا في الوعود في حملاتهم الانتخابية وحينما تسنموا هرم السلطة أخذوا يسوقون الحجج والأعذار الواهية تبريراً لسياساتهم الاقتصادية الفاشلة، وعندما تقترب فترة الانتخابات القادمة تظهر من جديد القيم والمبادئ الديموقراطية الغائبة وياله من استخفاف بعقول تلك الشعوب التي ما تلبث أن تستلذ بطعم حياة الرفاهية الموعودة حتى تهب عاصفة اقتصادية تعري زيف تلك الشعارات.

حديث رئيس البرلمان الأوروبي أتى هذه المرة على خلاف ما يروج له الاعلام الغربي منذ زمن طويل، من أن الديموقراطية كفيلة بحل كل الإشكالات والمعوقات التي تقف في طريق التنمية والتطور في بلدان العالم العربي. فالديموقراطية في حد ذاتها ليست غاية، إنما هي وسيلة للمشاركة في الحياة السياسية بشكل حضاري يحافظ على وحدة المجتمع وتماسكه ولكن لن يُكتب لها النجاح إذا لم يتم تهيئة الظروف الاجتماعية والاقتصادية الملائمة، وهذا ما يجب أن تعيه النخب السياسية في دول الربيع العربي والتي انشغلت بإرساء المبادئ الديموقراطية على أرض هشة تفتقر لأهم عوامل الاستقرار وهما الأمن والاقتصاد.

 

عيد الظفيري

كاتب سعودي مهتم بالشؤون الدينية والسياسية

 
عيد الظفيري
 
أرشيف الكاتب
ما هي دوافع الهجوم على السعودية؟
2017-06-05
كيف خذل الإعلام رؤية الأمير محمد بن سلمان؟
2017-05-14
في السعودية، ثمة حاجة للاستعداد لمواجهة كوارث السيول
2017-02-27
العودة العمانية: لا حياد في الإرهاب
2017-01-11
عادل الجبير.. القوي الأمين
2016-12-28
مَن يتصدى للحشد الطائفي؟
2016-11-27
الوطنية السعودية بين الإفراط والتفريط
2016-11-21
من المسؤول عن انخفاض انتاجية موظفي الدولة السعودية؟
2016-10-24
منظمة العار ترحب بإسرائيل!
2016-08-17
ظاهرة الانغلاق الفكري
2016-07-25
المزيد

 
>>