First Published: 2015-04-06

حكاية المدن المستباحة

 

نزعت الميليشيات الشيعية بسلوكها الاجرامي في تكريت الطابع الوطني عن الحرب ضد الارهاب، حين وهبت تلك الحرب طابعا طائفيا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

بعد عمليات النهب الواسعة وحرق ممتلكات المواطنين التي قامت بها قوات الحشد الشعبي في تكريت، هل تأمل الحكومة العراقية في تعاون المواطنين من سكان المناطق التي لا تزال في قبضة داعش معها؟

ما خسرته الحكومة من ثقة المواطنين لا يعوضه نصرها المحدود في تكريت. ولكن الاسوأ يمكن توقع حدوثه إذا ما تبين أن تكريت كانت خالية من مقاتلي داعش حين تم اقتحامها الذي جاء بعد أن قصفت الطائرات الاميركية المدينة.

فهل كان ذلك القصف موجها إلى المدنيين؟

لقد استبيحت المدينة، وفعل الحشد الشعبي بها ما فعله المغول بها قبل أكثر من ثمانمئة سنة. أما كان في إمكان الحكومة أن تتدارك الفاجعة التاريخية قبل وقوعها، في ظل الأصوات الكئيبة التي صدرت من هنا وهناك والتي كانت تتخوف من اللحظة التي تُستباح فيها المدينة؟

أعتقد أن رئيس الحكومة العراقية شخصيا كان قد وُضع على الرف في هذه العملية بالذات. الدليل على ذلك أن ميليشيا حزب الله/فرع العراق استمرت في حرق وتفجير البيوت ونهب ممتلكات المواطنين ونبش القبور، بالرغم مما قيل عن انسحاب الحشد الشعبي الذي حدث استجابة لأوامر العبادي.

كما لو أن ذلك الدرس كان موجها بطريقة مزدوجة. إلى العراقيين من جهة ومن جهة أخرى إلى حيدر العبادي نفسه. وهو درس تظافرت من أجل املائه خطط ايرانية، كانت تعبر عن الرغبة في الانتقام من المدينة التي ولد فيها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ونوازع محلية طائفية كان رئيس الوزراء السابق نوري المالكي حريصا على أن يجعل منها عنوانا تتمرس وراءه الميليشيات في محاولة منه لإحراق كل معنى وطني للحرب على الارهاب.

فما رشح عن سلوك الميليشيات الشيعية بعد أن اقتحمت تكريت هو سلوك اجرامي يذكر بما يمكن أن يكون عليه سلوك غزاة أجانب في مواجهة استسلام مدينة كانت قد قاومت حصارهم.

ولكن سنكون مجانين لو أننا توقعنا أن تكتفي الميليشيات بتحرير المدينة وتكف الأذى عن سكانها وتحافظ على ممتلكاتهم. فالمعطيات كلها تؤكد أن ارادة الشر الطائفي كانت حاضرة منذ البدء، لا في مواجهة تكريت وحدها، بل في مواجهة كل المدن العراقية التي قدر لها حظها السيء أن تقع في قبضة داعش.

لقد اعتبر الكثير من طائفيي السياسة في العراق أن الهزيمة التي مني بها الجيش العراقي يوم احتلت الموصل كانت هزيمة شيعية، لذلك فإن الحرب من وجهة نظرهم ينبغي أن تكون شيعية. وهو ما يضفي عليها طابعا طائفيا، فيكون العدو حينها سنيا، وهو ما يقود بالضرورة إلى أن تلك الحرب سيخوضها الشيعة ضد سكان المدن المسبية وكلهم من السنة.

وهو ما يمكن أن أسميه بالفأل السيء الذي سيواجه العراقيون، كل العراقيين، تبعاته. فإذا ما كان تحرير تكريت، وفق الصيغة التي ظهر من خلالها هو واحدة من صفحات حرب طائفية، قرر فريق العامري ــ المالكي توريط العراقيين فيها، فإن الصفحات الأخرى من تلك الحرب قد تحرق العراق كله.

يومها لن تكون ايران متحمسة لتحرير الموصل، فهي بعد أن حققت انتقامها من تكريت، وهي مدينة عدوها التاريخي، لن ترغب في صدام مع تركيا. ثم أن ما جرى في تكريت قد نأى بسكان الموصل بعيدا عن الحماسة الوطنية التي ستظهرهم أمام العالم بلهاء وسذجا، لذلك فإن حربا على الموصل ستواجه بمقاومة شعبية لا مثيل لها في التاريخ العراقي المعاصر، وهو ما لا تقوى ميليشيات الحشد الشعبي على التصدي له، في ظل سيادة ثقافة لا تكترث بمفهوم الوطن الواحد.

لقد نزعت الميليشيات الشيعية بسلوكها الاجرامي في تكريت الطابع الوطني عن الحرب ضد الارهاب، حين وهبت تلك الحرب طابعا طائفيا. وهو ما يعني أن العبادي قد فشل في ما كان يراهن عليه من خيارات وطنية.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الموصل مدينة مغدورة وشعب تائه
2017-03-27
من العزلة إلى التطرف. سيرة لاجئ
2017-03-26
لن يكون الفاسدون مصلحين
2017-03-25
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
حماقات اردوغان
2017-03-16
المزيد

 
>>