First Published: 2015-04-09

النصائح الملغومة في حرب اليمن

 

يتحدث البعض وكأن التدخل المصري في اليمن ترف وليس مصلحة استراتيجية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

الطريقة التي يتعامل بها البعض في مصر مع الأزمة اليمنية، تشعرك أن هذا البلد يقع في قارة أميركا اللاتينية أو شرق أسيا، وليس على مضيق باب المندب، الذي يمثل أحد الشرايين الحيوية للأمن المصري والعربي، وبدأ هؤلاء يمارسون حربا نفسية خطيرة، لزرع الشكوك في التوجهات السياسية والعسكرية الرامية لمزيد من الانخراط في الأزمة.

بصرف النظر عن طبيعة النوايا، حسنة أم خبيثة، مباشرة أو مستترة، فهي في النهاية تؤدي إلى نتيجة سلبية واحدة، وضعت المخلصين والوطنيين منهم في سلة ضيقة مع العملاء والمتآمرين، حيث جرى تكرار العزف على الخسائر المصرية في حرب الستينات من القرن الماضي، وتم استدرار ذكريات مؤلمة لدغدغة مشاعر الناس، في تجاهل واضح للمتغيرات التي حدثت، في الحسابات والأهداف المصرية، وتوازنات القيادة السياسية، والظروف الإقليمية، والأجواء الدولية، وتطور المعدات العسكرية، والمستجدات الأمنية.

أنصار فريق إشاعة المخاوف ووضع المطبات والعراقيل، لجأوا إلى حيل ظاهرها نبيل، لكن في تفاصيلها توجد غابة من الشياطين، فقد تحدثوا عن وعورة التضاريس اليمنية، وتعقيدات التركيبة الاجتماعية، وشكيمة القوات الحوثية، وتجاهلوا أن تدخل مصر في عملية عاصفة الحزم حاجة إستراتيجية. ولست في حاجة لتكرار التصريحات الرسمية التي أدلى بها الرئيس عبدالفتاح السيسي، لكن يكفي معرفة أن استمرار التدهور في اليمن سوف تكون له تداعيات سلبية على قناة السويس، التي تجاوزت قيمتها كممر مائي عالمي، وتخطت أهميتها العوائد المادية التي تدرها للدخل القومي، إلى مشروع عملاق تتعلق عليه آمال اقتصادية لدى قطاع كبير من المصريين.

النقطة الخطيرة أن دخول هذه الحرب لم يعد من قبيل الترف والاختيار، كما يتصور البعض، بل هي خيار من الصعوبة تجاهله، وقد جاءت في توقيت بالغ الأهمية، فمن خلال المشاركة سوف تكرس مصر دورها الإقليمي، وتثبت قدرتها على ضبط جزء كبير من التوازنات المختلة، وتستثمر فائض القوة السياسية والعسكرية، وتطور علاقاتها مع كثير من الدول الشقيقة، وتدشن عمليا فكرة القوات العربية المشتركة، التي طرحها الرئيس السيسي قبل أن تتصاعد المخاطر التي تدور على الأرض اليمنية. والأهم هو التأكيد على المفهوم الواسع للأمن القومي، وليس المفهوم الضيق والمباشر، والإمساك بزمام المبادرة بدلا من انتظار ردود الفعل، وما تنطوي عليه من خسائر يصعب تحملها.

حتى نتبين جدوى المشاركة بفاعلية في الحرب اليمنية، نقلب المعادلة ونتخيل ما يجلبه الانزواء والابتعاد من نتائج كارثية، تتعلق بمستقبل العلاقة مع الدول الخليجية، والتأثيرات السلبية على حركة الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، وحجم التهديدات الأمنية للسواحل المصرية الجنوبية، وتمدد نفوذ بعض القوى الإقليمية، وما ينجم عن كل ذلك من تداعيات، تتجاوز حدود الدور والمكانة إلى تهديد الوجود.

لذلك فهذه حرب ليست للنزهة أو الرفاهية، كما تتصور فئة تحاول تكسير الهمم، بل كتب على مصر أن تخوضها بجدارة، والمعطيات المعلومات الحقيقية لا التكهنات والتخمينات تحدد المسارات العسكرية، التي يتم تقديرها بدقة متناهية، ولكل مرحلة حساباتها، تفرض على صناع القرار اختيار الطريقة المناسبة للتعامل مع التطورات المتلاحقة بصورة عملية.

الغريب أن وسط كل العواصف الإقليمية، لم يكتف البعض بزرع بذور الشكوك في التصورات المصرية، بل راحوا يوزعون المغالطات وينشرون المخاوف في زمن بالغ الأهمية، فهناك من نفى عن طهران دورها التخريبي في اليمن، وأبعد عنها اتهام دعم الحوثيين، وحتى رغبتها في تطويق المنطقة العربية لم يلتفتوا إليها، ووسط الكم الكبير من الأعاصير الإيرانية تحدثوا عن الروابط الإسلامية، وزعموا أن ثمة فرصا لتطوير العلاقات، ولم تنسب لها نقيصة واحدة، ووصلوا إلى حد الانبهار بأسلوب الخداع في التعامل مع الأزمات العربية، مع أن تدخلاتها لها مردودات سلبية على المصالح المصرية.

هناك من تجاهل الطبيعة الإستراتيجية للعلاقات المصرية السعودية في الوقت الراهن، وتفرغ لكيل السباب والاهانات للرياض، وخلط الحابل بالنابل، من أجل إثارة الزوابع حول تدخلها في اليمن، وكأنه يريد إحداث شروخ سياسية بين البلدين، فلم يتم الاكتفاء بالحديث عن دور السعودية القيادي في عاصفة الحزم، لكن الإثارة امتدت إلى قضايا محلية وإقليمية تفتح الشهية للجدل، مع أن هذا ليس أوان مناقشتها، لأنه يضر بالأمن القومي.

المشكلة أن هذه النوعية من المراقبين والإعلاميين، بدت لكثيرين مهمومة بتغليب رؤيتها الأيديولوجية على المصالح القومية، وكانت حريصة على التعامل مع أزمة كبيرة في عمق الأزمة اليمنية وفقا لطريقة الأفراح الشعبية، بإلقاء كرسي في "الكلوب" لهز التقارب المصري- السعودي، والإصرار على تطبيق مقاييس قديمة، مع أن الزمان اختلف، والحسابات لم تعد متباعدة، والمصالح أصبحت أقرب من أي وقت مضى.

النصائح التي قدمها هؤلاء بدت لكثيرين منزوعة الدسم وفاقدة المصداقية، لأن الأهواء الشخصية تفوقت على الأهداف الوطنية، والرؤى والتقديرات الضيقة، كانت كامنة وراء تحذيرات مسكونة بهواجس سياسية وأمنية، وحملت في أحشائها ألغاما بدائية، لم تكن هناك صعوبة في نزع الفتيل الذي يفجرها في وجه المجتمع. لذلك تم التحرك على مسارات متوازية، حسب خطط محكمة ومتنوعة، لسد الثغرات على من يريدون الشوشرة على التصرفات المصرية، حتى لو كان بينهم من يملك أهدافا صادقة، وطرحها بطريقة تتسم بالعشوائية وانعدام الحصافة السياسية.

الواضح أن اللحظة الحالية يعاد فيها تشكيل التوازنات الرئيسية في المنطقة، وهو ما جعل من التدخل المباشر في حرب اليمن الثانية أمرا محتوما، لأن السرعة التي تتم بها عملية الفرز الإقليمي، من الواجب مسايرتها وعدم التخلف عنها. فالمعادلات التي ظهرت ملامحها حتى الآن تعمل لصالح قوى ترغب في فرض الهيمنة والسيطرة، وإبعاد أي منافسة عربية، بالتالي فالتفاعل المصري، في الأزمات الممتدة من اليمن إلى ليبيا وسوريا والعراق وغيرهم، مسألة حيوية لا تحتمل الانكفاء على الذات.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
المزيد

 
>>