First Published: 2015-04-12

الجماهير بصفتها صانعة لخطاب الإعلام

 

طاقة الرعاع تتضخم في حشد الجماهير كما يفسرها غوستاف لوبون، وتجعل الخطاب الإعلامي منقادا لها بل مُقدِسا لسلوكها وهو ما يفسر لنا قيام وسائل إعلام بإضفاء قدسية على الزيارات المليونية للمراقد وإظهار تقبيل أقدام الزائرين كفعل منقذ ومطهر، مع أنه يظهر ضحالة مثل هذا التفكير.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

تبدو إحدى خصائص العصر العربي الحالي أن الجماهير هي من يصنع خطاب الإعلام لتكون مُرسلا وليس مُستقبلا كما صنفته النظريات الإعلامية، ليس لأن المواطن الصحفي صار شريكا فعليا في صناعة المحتوى، بل لأن الجماهير شكلت في مجملها كتلة دينية سياسية هائجة ومؤثرة، الأمر الذي صنعت معه إعلامها، هو أعلام لا يؤسس وفق مفاهيم المهنية والموضوعية، بل مكرس للاستجابة للهياج السياسي والطائفي والعشائري العنصري.

فلم تعد وظيفة الإعلام صناعة الرأي للتأثير على الجماهير، قائمة في زمن اللاواقعية أو الواقعية الدينية الرثة، بل أصبح إعلاما ناقلا لفعل الجماهير للتأثير على ما بقي محايدا بغية انضمامه إلى ثقافة الحشد وتكريس الثقافة السائدة أيا كان محتواها.

وصارت الفوضى التي تصيب النفوس مصدرا غنيا لمحتوى إعلامي يقدم خطابه كحل مقدس بطريقة أن إعلام اليوم الديني-السياسي ليس مصدرا خبريا يقدم المعلومة بل هو تجسيد لفعل شعبوي قائم على استلهام التاريخ ومكتسح للجغرافيا.

فالجماهير المجنونة بطبيعتها عندما تصفق بحماس لفريقها بكرة القدم أو مطربها أو زعيمها، صارت بالوقائع السياسية الحالية تذرف الدمع بغزارة لرجل الدين السياسي وتهتف بمسميات الخرافة التاريخية بصفتها حقيقة قائمة اليوم ومجسدة في الزعيم الديني، وهذا يؤكد صحة المقولة أن الجماهير تعيد في نهاية المطاف ما كانت قد قلبته أو دمرته، ذلك أن الماضي أقوى لديها من الحاضر بكثير.

فيجد سيرج موسكوفتشي في كتابه عصر الجماهير أن عمل الجماهير لا يخدم قضية التقدم دائما، فما يدمره دائما ليس تلك العقبات الأكثر عرقلة للتنمية، فالجماهير تجيش العناصر الرجعية مثلما تجيش العناصر الثورية.

وهو نفس التعريف الذي توصل إليه غوستاف لوبون مؤسس علم النفس الاجتماعي للجماهير بصفتها مؤلفة من أشخاص هامشيين وشاذين عن المجتمع، وهكذا نجد أن فعل الجماهير كوحدة بناء ووظيفة، يتطابق مع الرعاع والسوقة والأوباش، إنهم رجال ونساء دون عمل محدد ومستبعدون من ساحة المجتمع الفعلية.

تعريف لوبون للجماهير وجِد فعليا بإعلام ينقل بشكل متواصل فعل حشود الجماهير الجامعة للغوغاء مع رجال الدين مع الوضيعين والسياسيين المبتدئين بصفتهم جميعا صانعي الحدث والتاريخ.

وهكذا صارت الجماهير تصنع رجال الدين بإعلامها، وهذا يفسر لنا كيف استطاع رجل دين مثل السيستاني مثلا عاش عمره منزويا في الحوزة بلا تأثير سياسي أو شعبي يذكر، أن يحرك الحشود، وعندما أرادت الجماهير منح خطابها مرجعية استعانت به، بنفس الدرجة التي استعانت جماهير فئة أخرى بعد هيمنتها بخطاب القرضاوي.

وهو نفس السبب الذي يمنح رجل الدين “سيستانيا كان أم قرضاويا” صفة القائد العسكري الذي يجيش ميليشيا شعبوية بفتوى من عدة أسطر للقتال والتدمير كفعل حام للمقدسات لمقاتلة ميليشيات معتدية لكنها ترفع نفس الشعارات التاريخية!

وفي المحصلة هناك إعلام يتجاوز مفهوم التابع والمتبوع، بل أكثر إيغالا في التبعية، إعلام مطابق فعليا لفعل الحشد في صوره ومحتواه. من صنعه إذن غير الجماهير وإعلامها وفق نظرية لوبون؟

“طاقة الرعاع تتضخم في حشد الجماهير” كما يفسرها غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجية الجماهير” الذي ترجمه ببراعة هاشم صالح، وتجعل الخطاب الإعلامي منقادا لها بل مُقدِسا لسلوكها وهو ما يفسر لنا قيام وسائل إعلام بإضفاء قدسية على الزيارات المليونية للمراقد وإظهار تقبيل أقدام الزائرين كفعل منقذ ومطهر، مع أنه يظهر ضحالة مثل هذا التفكير.

تنقل مقدمة كتاب سيكولوجية الجماهير عن الباحث ب. أديلمان قوله “لقد حلت السياسة محل الدين، لكنها استعارت منه نفس الخصائص النفسية، بمعنى أصبحت السياسة دينا معلمنا، وكما في الدين فقد أصبح البشر عبيدا لتصوراتهم الخاصة بالذات”.

وهو ما يمكن عكسه اليوم على الواقع العربي عندما عاد ليحل الدين محل السياسة، وتخلى رجال الدين عن مواصفاتهم التاريخية المفترضة ليقوموا بنفس دور رجل السياسة وإن تطلب منهم الأمر التنازل عن القيم والاتسام بالوضاعة والنذالة.

الخطر في مثل هذا الإعلام القائم في حشد من القنوات الفضائية والمطبوعات والمجالس والدواوين والتفاعل المتصاعد على مواقع التواصل الاجتماعي، ليس بتأثيره على العامة المنقادين للخرافة بأميتهم، بل على جيل صار لا يثق بالنظرية العلمية ويصدق رجل دين لا يؤمن بدوران الأرض، وآخر يمنحه مفتاح جنة موعودة وشهادة استشهاد من أجل فكرة غيبية. مثل هذا الإعلام لا يمكن الاستهانة بتأثيره، فقوته تكمن في قوة جماهيره المكتسحة التي تصنع اليوم تاريخ الواقع العربي الرث.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم متابع
الدولة لندن

نحن لم نخلص من خبيركم الاعلام كرم نعمة ياميدل ايست والان اصبح يكتب في السياسة الله يستر

2015-04-12

الاسم سيد جاسب المكصوصي
الدولة العمارة

نحن نعرف توجهات كرم نعمة العلمانية ورفضه للدين من أيام العراق وهو في هذا المقال يخلط السم بالعس ويشوه المجاهدين ويساويهم بالدواعش كما يساوي السيد السيستاني دام ظله بالارهابي القرضاوي فكيف يتم ذلك

2015-04-12

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
الملحن الشهيد
2017-04-04
كلنا صحافيون!
2017-04-02
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
المزيد

 
>>