First Published: 2015-04-16

من علامات الفتنة في مصر

 

التمادي في فساد النخبة، يمكن أن تكون له تداعيات وخيمة على الدولة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

في أوقات المحن والأزمات تظهر معادن النخب، إما أن تكون عونا للتخفيف وأداة للتنوير، أو عبئا يزيد الغموض ووسيلة للتزييف والخداع. وفي مصر مرت النخبة الإعلامية والدينية والسياسية بحزمة من الامتحانات خلال الأيام الماضية، أثبتت في معظمها فشلا ذريعا، لأن تعاملها لم يميز بين اجتهادات المرفهين والمخدوعين، وطبيعة المرحلة المحاطة بسلسلة من التوترات.

من حق كل شخص أن يقدم ما لديه من أفكار يرى أنها نافعة للمجتمع، لكن ليس من حقه أن يتعمد إثارة البلبلة، أو الطرق على أبواب تثير الانقسام، أو فتح جروح يعرف جيدا أنها سوف تؤدي إلى توسيع نطاق الخلاف، بمعنى أن اختيار التوقيت مسألة أساسية عندما تكون الأمة في مواجهة ما يشبه الطوفان، قد تعرف بداياته لكن لا تستطيع معرفة نهاياته، في هذه اللحظة من المفترض أن يتم العمل على نقاط الاتفاق ونبذ مناطق الخلاف.

الأيام الماضية حملت لنا الأنباء مجموعة من الأحداث، أقل ما يقال أنها قد تكون مدخلا جيدا للفتنة، يستفيد منها بعض المتربصين والمغرضين، الذين وجدوا فيها كنزا ثمينا لإعادة إحياء قناعات كادت تندثر.

الطريقة التي أعلن بها أصحاب دعوة ما يسمى بمظاهرة خلع الحجاب، أكدت أنهم يفتقرون للقراءة الواعية، لأنهم وفروا الفرصة للدعوة إلى مظاهرة للمبالغة والحض على ارتداء النقاب، وعندما يدخل الطرفان هذا السباق توضع الدولة في امتحان بالغ الحساسية هي في غنى عنه، وربما ترجح كفة الفريق الأول نوعيا، لكن من المتوقع أن يربح الفريق الثاني عدديا.

في هذه الحالة تحسب الخسارة على التيار المدني برمته، ويبدو التيار الديني كفائز في معركة ليس وقتها ولا زمانها، ومع افتراض حسن النوايا الثقافية للفريق الأول، سوف يكون قد تسبب في ضربة سياسية، تعيد هامش من الاعتبار لأنصار الفريق الثاني، الذي بدأ قطاع فيه يعترف بتعرضه لعملية متقنة من الخداع.

هؤلاء الذين ينتمي غالبيتهم إلى طبقة البسطاء كانوا قد خضعوا لعملية غسل مخ منظمة من قبل الإخوان، وتم إقناعهم أن الهزيمة النكراء التي منيت بها الجماعة، سياسيا وأمنيا واجتماعيا واقتصاديا، هي استهداف للإسلام ذاته، لذلك عندما تقوم مسئولة تربوية بحرق عشرات الكتب ألفها منتمون للتيار الديني أو حتى إرهابيون، وتتناقل مشهد الحرق بعض وسائل الإعلام، سوف تتعزز معالم الاقتناع أن هناك حربا حقيقية على الإسلام، الأمر الذي يؤثر سلبا على جهود تقديم صورة معتدلة للدين، ويضع العثرات أمام محاولات تنقيته من الشوائب التي لحقت به، بسبب انحراف الفتاوى وفوضى الخطاب.

الضجة التي أثارتها اجتهادات الإعلامي إسلام بحيري نوع آخر من التزييف الخطير الذي تتعامل به النخبة مع الموضوعات المهمة، وبصرف النظر على صواب أو فشل الرجل، فالطريقة التي نظر بها كثيرون للقضية، رسخت عملية الانقسام، فالمؤيدون والرافضون لبحيري، وهذا حقهم، بنوا مواقفهم من منطلق أيديولوجي فقط، ومدى حبهم أو كرههم للأزهر، لا مدى صحة أو خطأ المضمون الذي طرح.

لذلك خرج الموضوع من إطاره الفكري الإيجابي، إلى إطار سياسي فضفاض يحمل الكثير من العلامات المرضية التي بدأت تنخر في جسد النخبة المصرية، وأسوأها تغليب الأيديولوجي على غيره، حتى ولو كان يمس بعض الثوابت الوطنية.

تلك النظرة تعد واحدة من الكوارث التي انتشرت، وأدخلت البلاد دوامة لم تتوقف عجلاتها عن الدوران في حقل مليء بالأشواك، كلما ظهرت في الأفق ملامح لنزعها وإبعاد عناصر الفتنة، قامت بعض القوى المحسوبة على النخبة بتوفير المياه اللازمة لريها، حتى نظل أسرى للارتباك وعدم الاستقرار.

وعندما لاحت في الأفق معالم للتفاهم حول قانون متماسك ودستوري للانتخابات، تعمد البعض إدخال الحوار في دروب ودهاليز بعيدة أصلا عن الهدف الذي بدأ من أجله، وبدلا من أن تكون المناقشات مقدمة للتوافق أصبحت وسيلة للتباعد والتنافر والانقسام.

المواقف التي تدلل على بلوغ الاستقطاب حدا مخيفا لا حصر لها، وكأن البعض وجد فيه حلا سحريا للبقاء أمام الأضواء، ومحاولة السيطرة على عقل الدولة، حتى ولو كان بمزيد من الانقسام. فهناك فئة متطفلة تتصور أن انخراط المؤسسات الرسمية في هموم داخلية وخارجية عاجلة، منحها صك وضع جدول الأعمال وفرضه على صناع القرار.. هي التي تحدد برنامج الإعلام، وجدول العمل الثقافي، وخريطة التفاعل السياسي، وشكل التوجهات الاقتصادية، وربما تسمية الأعداء والأصدقاء.

في تقديري أن التمادي في فساد النخبة، يمكن أن تكون له تداعيات وخيمة على الدولة، أخطرها اللعب على أوتار الفتنة وزرع بذور القلق في جميع المجالات، لأن دور الدولة الحقيقي في ضبط الموازين المختلفة لا يزال غائبا، وهو ما شجع على انتشار ظاهرة الجرأة المتناهية في التطاول والفتوى في بعض القضايا الإستراتيجية، التي تمس صميم الأمن القومي.

فتجد أحدهم يأخذ على أعصابه مسألة التدخل المصري في حرب اليمن، ويجتهد في تقديم رؤى قديمة على أن المشاركة مستنقع سوف تقذف فيه القيادة السياسية الجنود، دون حساب عواقب أمنية أو مراعاة لتقديرات عسكرية.

فتاوى النخبة بلا علم، والنفاق الرخيص عن جهل، والاستقطاب الناجم عن مآرب سياسية، كلها من ملامح مرحلة بدت فيها بعض الهيئات الرسمية والشعبية في الدولة، كأنها تخلت طواعية عن جانب كبير من دورها، وقبلت عن طيب خاطر أن يقوم آخرون به نيابة عنها، حتى لو كانت رافضة.

ومجرد الصمت يعني القبول بالأمر الواقع، وهو ما أعطى بعض الخبثاء فرصة لملء الفراغ، والترويج على أنهم ناطقون باسمها، وقد وجد الزيف والتحايل والفهلوة أصداء واسعة عند قطاع كبير من المواطنين.

المشكلة أن الدولة سيأتي عليها يوم، ربما قريب جدا، تحاول ممارسة دورها كاملا، سوف تجد نفسها مضطرة للصدام مع فريق ظن أنه اكتسب أرضا لن يتنازل عنها، بعد أن نجح في وضع العراقيل لفترة طويلة، لأن استرداد دورها بتطبيق القانون واستخدام الحسم عملية طال انتظارها.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
تغيير وجه السودان سياسيا
2017-03-30
إغلاق صفحة أوباما مع مصر
2017-03-23
معركة تحرير العراق من إيران
2017-03-16
المزيد

 
>>