First Published: 2015-04-22

حكومة الوفاق وضرائب حماس!

 

توقيت قانون 'ضريبة التكافل الاجتماعي' كما تسميها حركة حماس لا يعبر عن حسن نية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. إبراهيم أبراش

بعد كل ما سمعناه على لسان قادة حركة حماس من توصيف لحكومة الوفاق الوطني بأنها حكومة أبو مازن أو حكومة رام الله الخ، ومن اتهامات وتشكيك بالحكومة وتصرفاتها وتحميلها مسؤولية إعاقة الإعمار والفقر والبطالة في غزة، وبعد ما تعرض له الوفد الوزاري بعد وصوله للقطاع يوم الأحد 19 أبريل من فرض إقامة إجبارية عليه، ومنع الوزراء من الدخول لمقر الوزارات، بل منع الموظفين من زيارة الوزراء في مقر إقامتهم الإجبارية، وبعد استباق حركة حماس لحضور الوفد الوزاري بصدور مشروع قانون من المجلس التشريعي بفرض ضريبة على تجار ومواطني قطاع غزة فقط... بعد كل ذلك يحق للمواطن أن يتساءل هل حكومة الوفاق الوطني حكومة وفاق بالفعل؟ وهل هي حكومة الضفة والقطاع؟ ومَن يحكم في قطاع غزة، حكومة الوفاق أم حركة حماس؟

من الجيد أن تستمر الحكومة لمدة عام وان يُصر الرئيس أبو مازن ورئيس الوزراء على استمرار الحكومة وعلى الحضور لقطاع غزة بالرغم من خطاب التحريض والرفض من أطراف في حركة حماس، بل واستباق الزيارة بتفجيرات لإرهاب الوزراء ومنعهم من القدوم لغزة، ولكن... إلى متى ستستمر حكومة الوفاق الوطني حكومة شكلية أو شاهد زور على واقع الفصل والانقسام، وإلى متى سيصبر الشعب على التلاعب بمصيره ومستقبله، مرة تحت شعارات السلام والتسوية والمفاوضات، ومرة أخرى تحت شعارات المقاومة والجهاد، ومرة تحت عنوان حكومة الوفاق الوطني والمصالحة الشكلية واللفظية؟

في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل الاستيطان والتهويد في الضفة الفلسطينية والقدس، وتتآكل السلطة الوطنية ودورها الوطني في الضفة الفلسطينية، وفي الوقت الذي يسود الإرباك والغموض حول التعامل مع محكمة الجنايات الدولية، والتخوف من مبادرات دولية قادمة تُنقص من حقوقنا الوطنية... في هذا الوقت يتم إشغال الحكومة وكل القوى والأحزاب والشعب بمشاكل الحياة المعيشية في قطاع غزة وخصوصا مشكلة رواتب موظفي حكومة حماس.

حتى مع مسايرتنا لمن يتحدثون عن "غزة أولا" والتي تم اختزالها إلى "الراتب أولا"، ومع تفهمنا لمطالبة موظفي حماس بدفع رواتب لهم وخصوصا أنهم حتى الآن ما زالوا على رأس عملهم، إلا أن لقضية الرواتب وجهان، وجه إنساني ومالي وهذا يعطيهم الحق بالراتب، وهذا الجانب من مشكلة الراتب قابل للحل، ولكن هناك وجه أو بعد آخر للمشكلة وهو البعد السياسي والأمني، حيث من يطالب بالراتب عليه أن يعرف أنه سيتقاضى راتبا من حكومة سلطة الحكم الذاتي، أو "حكومة أوسلو" كما تصفها حركة حماس، ومن يريد أن يتقاضى راتبا عليه أن يخضع لقانون الخدمة المدنية وللقانون الأساسي الفلسطيني ولبرنامج الحكومة ولاشتراطات الجهات المانحة للسلطة، سواء أعجبنا ذلك أم لا، أيضا يحتاج الأمر للتوفيق بين حق موظفي حماس بالراتب وحق الموظفين القدامى بالعودة لعملهم وحق آلاف الشباب العاطلين الآن وحق الجيل القادم بالوظيفة والعمل، وهذا يحتاج لمعالجات إبداعية، وفي هذا السياق نتمنى تطبيق "العدالة الانتقالية" وهو نهج يحتاج في البداية لحسن النية ولتوفر إرادة حقيقية بتجاوز الماضي.

حركة حماس تثير تخوفات وشكوك حول نوايا الحكومة ونوايا الرئيس ونوايا حركة فتح من تشكيل حكومة الوفاق الوطني – مع أنها حكومة وفاق وتم تشكيلها وقبول كل وزير من وزرائها بموافقة حركة حماس، حتى برنامج الحكومة فقد أكد الرئيس عند تشكيل الحكومة إن برنامجها هو برنامج الرئيس وقبلت حركة حماس بذلك -،لأن ثمان سنوات من الانقسام انتتجت أحقاد وكراهية وانعدام ثقة، ولأن السلطة ما زالت سلطة حكم ذاتي وملتزمة بالاتفاقات الموقعة وبالاعتراف بإسرائيل، ولأن هناك نخب في الضفة وممن يحيطون بالرئيس يمارسون التحريض وإثارة الكراهية ويعيقون كل مسعى للمصالحة حتى لا تتضرر مصالحهم. لكن أيضا الرئيس والمنظمة وحركة فتح يثيرون تخوفات وشكوك من نوايا حركة حماس، وهل هي جادة بمصالحة وطنية حقيقية تطوي صفحة الماضي وتنهي الانقسام؟ أم تناور للتغطية على اتصالات سرية غير مباشرة مع الإسرائيليين للتوصل لهدنة طويلة المدى مع حركة حماس مع رفع الحصار وفتح ميناء لدولة غزة تحكمها حركة حماس؟ يمكن تفهم تخوفات وشكوك كل طرف تجاه الآخر، إلا أن هذه التخوفات لن تزول إلا من خلال التقدم في مسار المصالحة ومن خلال تنازلات متبادلة على ارض الواقع وليس بالشعارات والتصريحات والنصوص الورقية.

نعم، من حق حماس التخوف من قرارات رئاسية وحكومية تتخذ خارج إطار الوفاق كما تقول حماس، ولكن بماذا نفسر تشريعات حماس المستمرة بالرغم من وجود حكومة وفاق وطني؟ وكيف نفهم، ونفسر، وبأي حق، تقوم حركة حماس بفرض ضرائب على تجار ومواطني قطاع غزة المحاصر والفقير والجائع لتضاف إلى ضرائب أخرى سابقة؟ وهل يتم تحويل أموال الضرائب لوزارة مالية حكومة الوفاق الوطني أم لحركة حماس؟ ومن يُشرف ويراقب هذه الضرائب؟ وأليس تشريع كتلة حماس في المجلس التشريعي لضرائب في غزة فقط إقرار بالانقسام وبأن المجلس التشريعي سلطة تشريعية لدولة غزة فقط؟ من المعلوم حتى للمبتدئ في السياسة أن فرض الضرائب مظهر من مظاهر السيادة والسلطة، ولا يجوز لأي جهة غير الحكومة أن تفرض ضرائب على المواطنين، وإذا حدث ذلك فهذه تعتبر "خوة" أو ابتزاز؟ وإذا فرضت حركة حماس ضرائب فما الذي يمنع حركة الجهاد والجبهة الشعبية وبقية الفصائل أن تفرض بدورها ضرائب لمساعدة الفقراء والمحتاجين؟

توقيت قانون "ضريبة التكافل الاجتماعي" كما تسميها حركة حماس لا يعبر عن حسن نية حتى وإن كان الهدف منه كما قال النائب عن كتلة حركة حماس في التشريعي أحمد أبو حلبيّة لوكالة الأناضول للأنباء إن "المجلس أقرّ مشروع قانون ضريبة التكافل الاجتماعي، بهدف التخفيف من معاناة الفئات الفقيرة في القطاع"، حيث لا يجوز وليس من اختصاص أي حزب أو جماعة أن تفرض ضريبة للتخفيف عن معاناة الناس ما دام توجد حكومة توافق وطني. إلا أن السبب الحقيقي لفرض الضريبة كشفه بيان لكتلة حركة حماس في التشريعي وجاء فيه: "لو التزمت حكومة التوافق والسلطة برام الله بعدم المشاركة في الحصار على القطاع، ورفعت الضرائب (البلو) عن الكهرباء، ورفعت يدها الثقيلة عن موضوع الإعمار وإدخال مواد البناء، وقامت بواجباتها المكلفة بها في اتفاقات المصالحة؛ لما كان هناك حاجة لأي خطوات جديدة". إذن فالموضوع ليس إنساني بل سياسي وخطير أيضا لأنه يتضمن تشكيكا بالحكومة ودورها بل عدم اعتراف بحكومة الوفاق الوطني، كما يتضمن دعوة لتكريس الانقسام وتحريض أهالي غزة على أهالي الضفة وهو ما تأكد في البيان التوضيحي الصادر عن النائب جمال نصار رئيس لجنة الموازنة العامة والشئون المالية في المجلس التشريعي في العشرين من الشهر الجاري،حيث جاء في البند السادس من البيان "قيام حكومة الوفاق بأخذ أمول المقاصة من الاحتلال والتي يتحملها المواطن في غزة، حيث يتم صرف هذه الأموال على الضفة الغربية وموظفيها ومشاريع تقام هناك دون الاهتمام بقطاع غزة ومواطنيه"!

بالرغم من كل ذلك نتمنى أن تستمر الحكومة في عملها وان لا تلتفت إلى من يريد تعطيل مسيرتها، وان تستمر، بمشاركة مع كل الفصائل والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، في حل مشكلة الرواتب ولكن بتساوق مع الملفات الأخرى كالأمن والمعابر والمصالحة الاجتماعية والانتخابات والإعمار الخ، لأنها ليست حكومة رواتب فقط. لو فشلت حكومة التوافق الوطني كما يريد البعض فستفشل كل جهود المصالحة وسيتم تكريس الانقسام إلى الأبد.

 

د. إبراهيم أبراش

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر – غزة

Ibrahemibrach1@gmail.com

 
د. إبراهيم أبراش
 
أرشيف الكاتب
ترامب يحصد نتائج ما زرعه أوباما
2017-05-22
مخاض الانتقال من الانقسام إلى الانفصال
2017-05-19
الاحتلال بدأ مع نكبة 48 وليس مع نكسة 67
2017-05-14
حركة حماس ومشروع 'غزة أولا'
2017-05-09
وثيقة حماس: خطوة إيجابية تحتاج لإثبات جدارة وطنية
2017-05-05
المثقفون والمبدعون لا يتقاعدون
2017-04-24
ما زال في الإمكان تدارك الأمر
2017-04-20
الموضوع أكبر واخطر من مسالة رواتب
2017-04-09
قرارات قمة عمان تُخفي أكثر مما تفصح
2017-04-04
مثقفون غير مثقفين: مثقفو الشتائم والإحباط
2017-03-19
المزيد

 
>>