First Published: 2015-04-23

نزوح جديد من الأنبار وأفول السنة في العراق

 

الرسالة التي وصلت للسنة هي أنهم جميعا دواعش، ليس سنة العراق فقط بل الجميع.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

يُروى أن السيد برزان التكريتي عندما كان رئيس جهاز المخابرات ثمانينيات القرن الماضي، قد اشترط على أحد المحكومين مؤبد بتهمة حزب الدعوة، أن يقوم بحساب كيس ثقيل من السمسم بدون ورقة وقلم، فإذا أنهى العد والرقم صحيح يطلق سراحه. الرجل قضى ستة أشهر يحسب ويخطأ وينسى، حتى استسلم بالنهاية وقبل بالمؤبد. حزب الدعوة الحاكم اليوم جعل السنة جميعا "يحسبون سمسم". هناك معاناة، وتدويخ سياسي يجري على هؤلاء الناس، تجعل عقولهم عاجزة عن فهم ما يحدث لهم.

بلغ عدد النازحين عن ديارهم 2.7 مليون شخص منذ يناير كانون الثاني 2014. ويمثل نازحو الأنبار ما لا يقل عن 30 في المئة من اجمالي النازحين في العراق منذ بداية العام الماضي. وتوضح بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن هذا هو ثاني أعلى مستوى للنازحين من محافظة واحدة، لا يمكن أن تمر أرقام كهذه دون أن تكون لنا وقفة عندها.

وقف السيد حميد الهايس - الذي فرضته الحكومة الصفوية كأحد وجهاء الأنبار - أمام حشد من النازحين الأنباريين، وبدلا من أن يبكي ويخاطبهم "يا أمهاتي وبناتي وأخواتي، ويا أولادي وابائي روحي فداء لكم" نراه على العكس من ذلك يسخر من معاناتهم ويفتح معهم جدلا سياسيا، ثم ينصحهم بالعودة إلى ديارهم، لأنه لا توجد رغبة باستقبالهم في العاصمة.

لقد وقعنا في الفخ، حتى أن أصحاب العيون التي لا تهدأ، لا يجدون آذانا صاغية، ولا شك بأنها ليست مصادفة بألا يجد شعبي العظيم في محن كبرى كهذه ممثلين له سوى حميد الهايس ومشعان. إن هذا يدعو حقاً إلى القلق. أين العقول الراجحة التي وقف على أكتافها شعبي كل تلك القرون؟ أين الرجال الغارقون بالحكمة العربية في بادية الأنبار وتلال الموصل؟ أين كل أولئك الدهاة الذين ملأنا بهم المدى يوما؟ كيف هكذا تنطفئ نارك يا شعبي. كيف ننتزع الشوك من قلوب الأطفال في الليل؟ وحتى لو كانت الأرض مليئة بالقتلى، لابد من وجود أب عربيٍّ راسخ يرفع رأسه ويلمح القمر، ثم يحدثنا عن أفول هؤلاء الفتيان الشجعان تحت سمائهم وقمرهم الذي ولدوا تحته.

تسعون ألف أنباري نزحوا من ديارهم قبل يومين بسبب سيطرة الدولة الإسلامية على مساحات واسعة من المحافظة. معظم الأنباريين يتركون ديارهم ليس خوفا من الدواعش فقط، بل خوفا من أن يقعوا بين أطراف القتال، ويجتاحهم الحشد الشيعي البربري المعروف باغتصاب النساء وحرق الجثث ونهب المنازل وإضرام النار بها.

سيدة عمرها 37 عاما قالت بأن جارتها أخبرتها بأنها ستغادر، فحشرت هي أيضاً أمتعتها على عجل وسحبت خلفها أطفالها الثلاثة إلى المجهول. سيدة أنبارية أخرى نسيت طفلها الرضيع في المنزل، من هول الصدمة، ولم تتذكره إلا بمنتصف الطريق إلى بغداد. رجل أنباري يقول بأنه يفضل داعش على الحشد الشعبي، ومستعد للعودة إلى بيته، إذا تترك الميليشيات الناس هناك تعيش بسلام.

تكدس الأنباريون على مدخل بغداد ولم يُسمح لمعظمهم بالدخول إلا بكفالة ثلاثية، وهذا شبه مستحيل اليوم. والفساد الذي يضرب أطنابه في مفاصل العراق، أطل برأسه مع معاناة النازحين، فبامكان الأغنياء الحصول على الكفيل الان مقابل المال، نتمنى حظا أوفر للفقراء. رجل أنباري مُسن يقول لم يسمحوا لأحد بالمرور سوى الذين يعملون بالأجهزة الأمنية لدى الحكومة. وفي العاصمة بغداد لافتات كبيرة برفض دخول أهل الأنبار إلى المدينة لأنهم دواعش، كما أغلقت مكاتب العقارات عروض الإيجار خوفا من استئجار بيت لعائلة أنبارية بالخطأ، والتعرض لعقاب الميليشيات.

أهل الأنبار والموصل يتساءلون اليوم إذا لا توجد رغبة باستقبال النازحين لماذا التحشيد للتحرير إذن؟ وما هذا التخطيط لتدمير مدنهم وتركهم في العراق بلا مأوى، فشركاء الوطن لا يرحبون بهم بناء على توصيات الجارة الصفوية. الحرب تؤدي إلى نازحين بكل تأكيد.

الرسالة التي وصلت للسنة هي أنهم جميعا دواعش، ليس سنة العراق فقط بل الجميع. ألم ترفض الحكومة العراقية منحة إنسانية سعودية بنصف مليار دولار للنازحين العراقيين عام 2014؟ بينما قبل السيد العبادي منحة من أميركا للنازحين بقيمة 200 مليون دولار مؤخراً، ما معنى هذا؟

بعد كلمة السيد حسن نصرالله الأخيرة ماذا يريد العرب أن يفعلوا حقاً؟ هل يريدون الإستمرار بدفع تهمة الداعشية عن أنفسهم أمام القاضي الشيعي؟ وبالمناسبة أنا شخصيا لا أفهم سبب توقف عاصفة الحزم، ولم أكن أظن بأن هدفها تدمير صواريخ ومعسكرات تابعة للحوثيين، ولا أتخيل كيف يمكن لإيران العنيدة التنازل عن حليف أنفقت المال والسنوات لإعداده؟ هذا كله ضد قناعتي كخبير في الشأن الإيراني.

ثم ما فائدة هذه الدعاية التي يتشارك فيها الأميركان مع الصفويين في تهويل جرائم داعش والتخفيف من جرائم الميليشيات؟ الواقع والشهود العيان ينسفون هذه الدعاية من جذورها. إجرام داعش هو حدود التطرف السلفي، فهم لا يقومون بشيء خارج الفهم الديني السلفي المتطرف. لم يغتصب الدواعش مسلمات، ولم يحرقوا بيوتا، ولقد رأينا بأن أهالي تكريت هربوا في معظمهم باتجاه الموصل. الدواعش ليسوا فيزياء نووية، خذوا كتابا فقهيا سلفيا وراجعوا الأحكام الفقهية فيه، هذا ما يقوم به الدواعش، وهذا فهم فقهي خارج العصر بكل تأكيد، ولا يحظى بقبول من الفقهاء الكبار اليوم.

شيخ عشيرة كتب لي "اخي الكريم صار 8 اشهر مناطقنا محررة، ولا تقبل الميليشيات عودة الأهالي. السنة بنظرهم دواعش يا ناس. وأضيف الى معلوماتك لم يبق شيء بمناطقنا، لا بيت، ولا مدرسة، ولا جامع، ولا مركز صحي، حتى أعمدة الكهرباء قطعوها. الحمد لله طهروا مناطقنا من كل شيء، حتى من الحياة. لا نرى سوى القتل والخطف، وكيل التهم، والمفخخات. الحمد لله لا توجد حكومة بقضاء الطوز فقط ميليشيات."

هل يريد القارئ شهادات حية متعلقة بالموصل التي يحكمها الدواعش منذ عام؟ هذا يقول "أهلي بالموصل وأتصل بهم كل يوم، وحالهم أفضل من قبل لكن لا يوجد عمل"، وآخر يقول "كثير اصدقاء لي بالموصل، حتى غير متدينين، وقالوا الوضع تمام." ورسالة تقول "اذهب لتويتر واكتب ولاية نينوى، انظر تبليط شوارع، واعمار، وكل شهر يوزعون نص مليار دينار للفقراء." وآخر يقول "خلال السنة الماضية ذهبت ثلاث مرات للموصل، والمدينة تفاجئك بالشوارع النظيفة، والمحلات العامرة، والطرق المفتوحة، ولا وجود لسيطرات أمنية تضايق الناس." وهذه رسالة من شاعر شاب في الموصل "بالنسبة للـ 1.2 مليون نازح من الموصل، ممكن بيان يدل على هذا؟ أنا أهلي وأخوالي وأعمامي كلهم في الموصل، أما أبي فهو طبيب ومدير قسم في مستشفى السلام، فلماذا الكذب؟ "

رأيت صورة طفلة بعمر يقارب 6 سنوات، واقفة عند جسر بزيبز المؤدي الى بغداد، تحدق بوجه أمها المتعرق المغطى بالتراب، أحزنتني كثيرا وفكرت فيها مليا، ما اسمها؟ خنساء؟ أرى ظفائرها الطويلة وعينيها الحائرتين ووجهها الذي ينطق بالخوف. لا تعرف خنساء لماذا خرجت مع عائلتها على عجل، ولا لماذا خائفان طول الطريق، ولا تعرف لماذا يتوسل أبوها جنود العراق عند الحاجز؟ هل هذا هو الذل الذي لا نتمناه حتى لعدونا؟ خنساء الأنبارية الصغيرة تشكل خطرا كبيرا على بغداد اليوم.

ما يحدث لنا هو ما حدث لمسلمي الأندلس، تهجير وتبشير وإبادة. الفارق هو أن كتاب قرطبة واشبيلية وغرناطة قد نسجوا عذابات شعبهم بأجمل وأرقى أدب، حتى وضعوا آلامهم في اطار الكفاح الانساني الخالد ضد الظلم.

أنا أزعم بأن "سنة العراق" من أجمل الشعوب العربية، لقد أخذوهم على حين غرة، فلم يكن هناك وقت كاف ليتداركوا أنفسهم. شعبي نافورة جمال، وشلال مروءة. هو فقط "ضل الطريق" بسبب قسوة الأعداء ومكرهم. وحالتي اليوم كصوت لهؤلاء الناس تستدعي روح الزعيم الهندي الأحمر "سياتل" في رثاء شعبه الآفل:

"إن الشباب غرار، وعندما كان يعتري شبابنا الغضب جراء خطب حقيقي أو متخيل، ويشوهون وجوههم بالأصباغ السود، فإن ذلك ربما يشي بأن قلوبهم سوداء، وبأنهم قساة دائماً وغلاظ القلوب، لأن شيوخنا والمسنات من نسائنا غير قادرين على كبح جماحهم. إلا أن الأمر لم يكن أبداً كذلك. الشبان يعتقدون بأن الانتقام كسب، حتى لو كلفهم الحياة. لكن الشيوخ الذين يقيمون في البيوت في زمن الحرب، والأمهات اللواتي ربما يخسرن أبناءهن، يعرفون أكثر من ذلك.

"لم يعد مهماً لنا أين نصرف أيامنا الباقيات، فهي لن تكون كثيرة. والليل الهندي يعد بأن يكون شديد السواد، بلا نجمة أمل تطوف له على أفق، ثمة ريح حزينة الصوت تعول في المدى، وثمة قدر متجهم يضرب وراء الرجل الأحمر على الأعقاب. وأينما حل الرجل الأحمر، فإنه سيسمع صوت الخطوات الواثقة المقتربة، وسيتأهب للقاء قدره المحتوم مثلما تفعل الظبية الجريحة وهي تصغي إلى خطو الصياد المقترب."

 

أسعد البصري

الاسم برنايو بريونا
الدولة المملكة المتحدة

يجب على سنة العراق ان ينتفضوا ضد هذا الحقد الطائفي ويقاتلوا بالسلاح والحجر والشجر والاسنان ان لزم الامر اما البكائيات واللطم فهو تراث صفوي اُدخل على العراق وليس من شيم الرجال

2015-04-24

الاسم عبد المتكبر
الدولة المغرب

إن بعد العسر يسرا.

لا يمكن للجهلة أن ينتصروا علينا مهما بغوا لانهم يحملون بذور دمارهم في رؤوسهم.

2015-04-23

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
الضعف العربي والتوسع التركي والإيراني
2017-12-12
انحسار المد الطائفي في العراق
2017-12-04
المرأة السعودية جوهر الانتصار على التطرّف
2017-11-28
عتاب عراقي مرير
2017-11-20
نداء عربي إلى كردستان المحاصرة
2017-10-01
هل السنة العرب مع الأكراد؟
2017-09-30
جهاد النكاح في العراق
2017-06-13
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المزيد

 
>>