First Published: 2015-04-23

من يعيد الصحيفة إلى زمنها

 

ثمة تداعيات تتناولها الصحف وهي ليست من الأهمية التي تدفع القارئ إلى شراء الصحيفة من أجل مطالعتها، إذا لا يوجد خبر، فلا أهمية مؤثرة لتداعيات الخبر.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

الصحف تعيش أزمة إخبارية

الصحف بلا أخبار، فهل أصيبت بالعجز عن تقديم محتوى متميز؟ يكاد يتكرر مثل هذا السؤال اليوم للمطالع اليقظ للصحيفة “أي صحيفة”، إنه يطالع قصصا إخبارية مرت عليه ليلة أمس، ولهفته تتلاشى مع كل فقرة يقرؤها لأن فطنته تخبره أنه يمر على مضمون يعرفه، فقد عرف الأحداث وسمع آراء قيلت فيها على الشاشة، كما أنه تابع مجريات تصاعدها على المواقع الإلكترونية.

ماذا بقي للصحيفة إذن، هل تعيد طبخ ما قُدم ليلة أمس وتقدمه في سلة لم تعد مغرية للقارئ؟

ندرك أن الصحف تعيش أزمة السوق المريضة، كما تعيش أزمة إخبارية، وباتت عاجزة عن تقديم محتوى متميز.

كان سؤال “المحتوى المتميز” قد أطلق بكثافة في قمة أبوظبي للإعلام في دورتها الأولى، ومازال يتكرر دون أن يستقر على إجابة تعيد ثقة القارئ بصحيفته "كم بقي من القراء الأوفياء؟".

إمبراطور الإعلام روبيرت مردوخ تحرك تفاؤله دوافع تجارية، مع أنه يرى أن “صناعة الإعلام تعتمد على الإبداع كي تزدهر”. هذا ما قاله في قمة أبوظبي للإعلام، حيث توقع أن الجيل الجديد من الموهوبين والمتعلمين تعليما عالياً سوف يغير السوق الإعلامية بطريقتين: على صعيد الطلب كأعداد متزايدة من المستهلكين، وعلى صعيد العرض كمنتجين موهوبين، وكلاهما سوف يزدهر إذا أُتيحت له الفرصة وحرية الاختيار.

بينما لا شيء يوحي بأن سوق الصحافة المريضة تتماثل للشفاء، إذ لم يشتد المرض عليها يوما بعد آخر؟

كم من القراء العرب بقوا أوفياء لصحفهم اليومية؟ هذا السؤال قد يجد له إجابة أكثر وضوحا عندما نطلقه على الصحافة البريطانية أو الأميركية مثلا.

الصحف البريطانية تقر بعجزها عن صناعة محتوى خبري مغر لا يكرر ما نشر، وهي باتت تعتمد على ما تبثه وكالات الأنباء، مع أن الأمر ببساطة، حتى محتوى وكالات الأنباء السريع صار في متناول المستخدم عبر المواقع الإلكترونية.

ثمة تداعيات تتناولها الصحف وهي ليست من الأهمية التي تدفع القارئ إلى شراء الصحيفة من أجل مطالعتها، إذا لا يوجد خبر، فلا أهمية مؤثرة لتداعيات الخبر.!

كانت الصحف البريطانية والأميركية تنفرد بقصص إخبارية عن البلدان العربية، لكن لا أحد يذكر لنا على مدار السنوات الأخيرة قصة إخبارية متميزة، فهي تكاد تنقل وبشكل حرفي تقارير رويترز ووكالة الصحافة الفرنسية ووكالة أشيوتيد برس، وهي تقارير متوفرة للصحف العربية أيضا ومتداولة على المواقع الإلكترونية.

أين تكمن المشكلة؟ لا يمكن أن نقول لا أخبار كما حدث في الليلة الشهيرة من عام 1930، ففي الثامن عشر من أبريل أعلن مذيع نشرة الأخبار في راديو “بي بي سي” “لا أخبار هذه الليلة، ليلة سعيدة”! وانتهت نشرة المساء الإذاعية بمعزوفة على البيانو، لكن الصحف في اليوم التالي لم تظهر بيضاء، لأنه ببساطة لا تنطبق تسمية صحفي على صحفي يقول لا قصص اليوم، هو من يصنع القصص ويكون شاهدا عليها، يقول بتواضع رأيت وسمعت، لا فعلت.

أيضا لا يمكن أن نعزو مشكلة ضعف المحتوى إلى “المواطن الصحفي” وحده، لأنه غير مدفوع بالتنافس مع الصحف، ما تدفعه محض رغبة شخصية في نشر قصص مرت أمامه أحب أن يشرك الجمهور فيها، وهي في كل الأحوال ليست حائلا بين الصحفي والمحتوى المتميز.

يمكن أن نذكر هنا الأزمة المالية التي تعيشها الصحف، الأمر الذي دفعها إلى التخلي عن المراسلين، كما جعلت الأحداث الوحشية المتصاعدة في البلدان العربية المراسلين يعيدون النظر في شأن المخاطرة بالذهاب إلى أماكن الصراع، وهو ما يؤكده جيرمي بوين، كبير مراسلي “بي بي سي” المتنقل في دول الشرق الأوسط، قائلا إن التهديدات تجعل "حتى الصحفيين الأكثر ميلا للمغامرة والأكثر جرأة يفكرون بجدية حول ما إذا كان العمل يستحق المخاطرة".

نعم، العمل حيال فقدان الحياة لا يستحق المخاطرة، لكن علينا أن ندرك أن سلوك القراء تغير ولن يقبل العودة إلى الوراء، وأيضا لم يعد بمقدور الصحف وفق المحتوى الإخباري المأخوذ من سلة أخبار الإنترنت أن تقدم ما يحفز السلوك الجديد للقراء.

فمن يعيد الصحيفة إلى زمنها، غير المراهنة على وعي قارئها؟

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
إعادة تعريف الرقيب على وسائل الإعلام
2017-05-28
الضغائن تهدد وسائل الإعلام
2017-05-21
الرقص ناخب بلا صوت!
2017-05-16
المرشد الأعلى لفيسبوك
2017-05-14
لا أقراص مهدئة قبل المناظرة التلفزيونية
2017-05-07
غبطة الراديو
2017-05-02
فكرة متطرفة لإنقاذ الصحافة
2017-04-30
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
المزيد

 
>>