First Published: 2015-04-25

العودة المؤسفة الى 'ابو غريب'

 

حين يتخذ جزء من الشعب من سجن ابو غريب سيء السمعة مأوى له، يعني ذلك أن الجزء الآخر من الشعب بات مهانا في كرامته لأنه سلم مصيره لحكومة لا تقيم وزنا لمسؤوليتها الوطنية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

اقتراح رئيس الوزراء العراقي حيد العبادي في تحويل سجن ابو غريب الى ملجأ للعوائل النازحة من الرمادي بعد أن رفضت العاصمة والكثير من المدن العراقية استقبالها ينطوي على الكثير من المعاني السيئة، وقد يكون فأل نحس بالنسبة للعبادي نفسه.

فالرجل كما يبدو لا يملك ذاكرة أو أنه يملكها غير أنها من النوع الانتقائي، بحيث حذفت من محتوياتها عار ابو غريب تلقائيا، فأوقعت صاحبها في فخ، انعدم فيه شعوره الإنساني وأقفلت أبواب ضميره.

وقد لا يتعلق الأمر بالذاكرة بل بشهوة طائفية للإنتقام، ذلك لأن العبادي لا يزال عضوا في حزب الدعوة وهو حزب يقوم أصلا على نزعة طائفية، هي مشروعه السياسي الوحيد الذي لا يملك غيره.

ولكن الموقع الذي يحتله العبادي بإعتباره رئيسا للسلطة التنفيذية يجعله في موقع المسؤولية الوطنية التي يجب أن لا يتقدم عليها أمر آخر، وإن تعارض معها أمر ما فينبغي اعادة النظر في ذلك الأمر وإزاحته إن شكل وجوده عائقا في طريق القيام بالواجب الوطني.

وهو ما لم يكن سلف العبادي في الحكم وزعيمه في حزب الدعوة مستعدا لاستيعاب ضرورته وادراك معانيه. فحين صرح نوري المالكي بأنه يقدم شيعيته على عراقيته فقد كان ذلك التصريح اعلانا صريحا عن وفاة ما يسمى بالشراكة الوطنية.

فرجل السلطة الأول في العراق ينبغي أن يكون عراقيا أولا وأخيرا. وهو ما كان يأمله العراقيون في حيدر العبادي، الرجل الذي استلم دولة ينخرها فساد غير مسبوق تاريخيا مما أدى إلى سقوط ثلث مساحة العراق في أيدي الارهابيين.

كان من المتوقع أن ينظر العبادي إلى الملايين المنكوبة من شعبه بعين رجل الدولة، الذي أنيطت به مهمة تفكيك أزمات عديدة، هي ارث ثمان سنوات عجاف، وهي الحقبة التي حكم فيها نوري المالكي بإعتباره زعيم عصابة، انصب عملها على النهب والسرقة وادارة الصفقات المشبوهة واقامة مشاريع وهمية تحت غطاء التهديد بحرب طائفية، يمكن أن تقع في أية لحظة.

فهل كان العبادي مضطرا إلى إهانة شعبه؟ وهنا أقصد الشعب العراقي كله.

فحين يتخذ جزء من الشعب من سجن ابو غريب، سيء السمعة مأوى له، يعني ذلك أن الجزء الآخر من الشعب بات مهانا في كرامته لأنه سلم مصيره لحكومة لا تقيم وزنا لمسؤوليتها الوطنية.

وكما أرى فإن العبادي ما كان قد تقدم باقتراحه المخزي إلا وهو على يقين من ذلك الاقتراح سيبهج أعداءه وفي مقدمتهم نوري المالكي، رجل الفساد الأول الذي لا يزال يحتمي بجزء من ميليشيات الحشد الشعبي، وهو الجزء الذي لا يفوت قادته فرصة من أجل اظهار استهانتهم بالعبادي، بإعتباره الرجل الذي لا يملك القوة على اتخاذ قراراته بنفسه.

فهل قدم العبادي اقتراحه المذل بعد أن هزمته الميليشيات حين منعت النازحين من دخول بغداد وبقية المحافظات ذات الغالبية الشيعية، ليقول لتلك الميليشيات "أنا معكم" في محاولة منه للتقرب منها؟

في كل الأحوال فإن الرجل كان قد فشل في أول اختبار وطني يتعرض له. لقد خضع لطائفيته حين أغمض عين المسؤول عن أزمة إنسانية يمر بها جزء من شعبه متخذا من عين الحزبي، الطائفي وسيلة للنظر. وهو ما يعني أن مفهوم المواطنة الذي وضعه المالكي على الرف لا يزال في مكانه.

لقد قدم العبادي اقتراحه ولسان حاله يقول "هؤلاء لا يليق بهم سوى أن يقيموا في السجون" فكان الاختراع الاميركي من وجهة نظره مذهلا في التعبير عن رؤية حزب الدعوة لمستقبل العراق. وهو مستقبل يتوزع فيه العراقيون بين مقيم في السجن ومتسوق يبدد وقته الضائع بين الأسواق ومشرد يعرض أوراق لجوئه على الهيئات الدولية.

ما لا يُنسى للعبادي الذي يحمل شهادة دكتوراه، حصل عليها في وطنه البديل بريطانيا، أنه سعى لإعادتنا إلى زمن ابو غريب، من غير أن يهتز ضميره.

يا لسوء حظ العراق.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
في مديح السرطان
2018-04-27
الحرب الإسرائيلية الإيرانية مزحة غربية
2018-04-25
قبر اسمه الديمقراطية
2018-04-24
المالكي مبحرا بسفينة نوح
2018-04-23
حين تخذل المرجعية الدينية أتباعها
2018-04-22
هناك مَن لا يرغب في خلاص سوريا
2018-04-21
مجاهدون ومقاومون على طاولة واحدة
2018-04-19
ما لم تكن إيران تتوقعه من السعودية
2018-04-18
اختراع إيران
2018-04-17
من أجل حرب لن تنتهي في سوريا
2018-04-16
المزيد

 
>>