First Published: 2015-04-26

حدثني عن الطائفية

 

الطائفية عار كالعبودية. فمتى يفيق العرب من غيبوبتهم فتسنح لهم الفرصة للتعرف على ما هم فيه من عار؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

هي كالجنون، مرض يصاب به المرء فتنقطع صلته بالعالم ولا يعرف ما يعرفه الآخرون عن اصابته مرضه، فالمجنون لا يدري متى وكيف ولماذا وقع ذلك الانفصال. كذلك الطائفي لا يعرف أنه طائفي ولا يعترف بذلك، حتى وإن كان سلوكه الطائفي يضر به مثلما يض بالآخرين، وإذا ما قيل له ذلك فإنه يسارع إلى انكاره بل ويستهجنه. الطائفي لا يرى إلا طائفية الآخرين.

اما طائفيته فهي حقه في الدفاع عن نفسه، بعد أن صار مقتنعا أن أعداءه الوهميين يكيدون له ويخططون للقضاء عليه.

لذلك يفضل الطائفي أن يعيش في عزلته، فهو مهما ادعى لا يحب أحدا. يزعم أنه يحب أبناء طائفته وحدهم، غير أن أفعاله التي تعرض اولئك البشر من أحبته المزعومين للكراهية والموت تفضح كذبته. فهو كائن لا يرى في من حوله إلا أدوات، يستعملها في صراعه المحتدم.

اما حديثه المستمر عن التسامح فهو يكشف عن عمق ما يعيشه من تعصب. فهو يقول ما لا يفعل وتفصح أفعاله عن عدم ايمانه بما يقول. ولولا تعصبه ما كان في حاجة إلى حديث التسامح.

غالبا ما يضفي الطائفي على أفعاله طابعا دينيا، غير أنه في حقيقة أمره شخص غير متدين ولا يؤمن بما تنطوي عليه الاديان من نبذ للعنف وتحريم للقتل. بالنسبة له فإن كل شخص لا يشاركه الايمان بعقيدته هو مشروع للقتل. وهكذا يكون الطائفي أول من يُسقط واجب اتباع ما حلل الله وما حرم.

الاخطر من ذلك أن الطائفي وهو المتشدق بالدين، المغالي في إظهار تدينه يرى في كل مَن خالفه كافرا، يحق له تصفيته تنفيذا للشريعة، وهي شريعته الخاصة به والتي لا تجمعه بالآخرين. لذلك يرفع الطائفيون شعار تطبيق الشريعة، لكي يتخذوا منها حجة تعينهم في صراعهم مع المجتمع وتكسبهم قوة يقتبسونها من ضعف الآخرين.

ولأن الطائفي شخص فقير الخيال، فإنه يرى العالم مقسما بن طرفين "طرف معي وآخر ضدي" وهو لذلك يشعر بالراحة حين يكون مَن يواجهه طائفيا مثله. فتلك الواقعة تؤكد له صواب نظريته عن العالم. وهي نظرية تقوم على التمييز بين البشر على اساس مذاهبهم الدينية.

لهذا يمكنني القول بثقة إن الطائفي كائن قديم، لا ينتمي إلى عصر الدولة الحديثة، حيث الغى مفهوم المواطنة أفضيلة إنسان على إنسان آخر بسبب لونه أو عرقه أو دينه. المواطنة هي مبدأ مساواة بين الناس لا يقوى الطائفي على استيعابه.

لذلك فإن الطائفي لا وطن له. وطنه يقيم في أفكاره التي تجنح إلى التهديم، لا إلى البناء. ففكرة الوطن بالنسبة لطائفي تعني القبول بالتنوع الديني والمذهبي وهوما ترفضه تربيته المتشددة. وقد لا أكون مبالغا إذا ما قلت إن الطائفي يعتبر كل دعوة للبناء هي محاولة لتدمير مشروعه القائم على الانتحار الذاتي وبالآخرين.

في هذا يتساوى الطائفيون، بمختلف عقائدهم ودرجات تعصبهم الطائفي. ما من طائفي أشد أو أقل من سواه من الطائفيين ضررا. فالطائفية مثل الكفر درجة واحدة. يدخل إليها المرء فينسى كل ما عداها.

ما يشهده العالم العربي اليوم من هذيان طائفي يثبت أن العرب لم يدخلوا التاريخ المعاصر. كانت هناك محاولات في ذلك المجال وقد فشلت، فانتصرت أفكار تنتمي إلى عصور، لم تعد البشرية تلتفت إليها. تلك العصور التي انطوت على الكثير من مشاهد العار التي يُفضل أن تنسى.

الطائفية عار كالعبودية. فمتى يفيق العرب من غيبوبتهم فتسنح لهم الفرصة للتعرف على ما هم فيه من عار؟

ما فعلته الطائفية بنا لم تفعله بشعب مسلم آخر. لقد فتكت ولا تزال تفتك بنا. وما لم ننظف مجتمعاتنا من ذلك المرض فإن الهلاك سيكون مصيرنا المؤكد.

 

فاروق يوسف

الاسم عبدالله العراقي
الدولة بلاد المنفى

اذا وصفنا الطائفية فلن تجف ا

2015-04-26

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الخوف من الوطن
2017-04-24
هل ستفلت إيران من عاصفة ترامب؟
2017-04-23
نصيحة الحكام
2017-04-22
حصاد سنوات الصمت
2017-04-20
غد لمَن لا غد له
2017-04-19
اردوغان المرضي عنه غربيا
2017-04-18
سوريا بين الأهل والغرباء
2017-04-17
متى يلتفت العرب إلى أنفسهم؟
2017-04-16
زمن أولاد الشوارع
2017-04-15
حين يتاجر القتلة بالقتلى
2017-04-13
المزيد

 
>>