First Published: 2015-04-29

جيش باعة الشاي

 

يقف العبادي بين نارين. نار داعش التي تحرق أجزاء من البلاد التي يحكمها ونار الميليشيات الشيعية التي يمكنها أن تشب في ثيابه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لم يُصدم عراقيو الداخل بهزيمة جيشهم أمام داعش يوم سقطت الموصل مثلما حدث لعراقيي الخارج. ذلك لأنهم يعرفون جيدا حقيقة الجيش الذي تم تلفيقه مثل حكاية عبثية ليكون بديلا عن الجيش الذي تم حله من قبل سلطة الاحتلال الاميركي بإعتباره أثرا من الماضي ينبغي أن يُمحى، مثلما محيت في ما بعد آثار نمرود وآشور.

الجيش العظيم الذي يتذكره المهاجرون لم يعد له وجود، مثله في ذلك مثل الكثير من الأشياء التي تذكر بالعراق مثلما هو تاريخيا لا كما تم اختراعه بإعتباره عراقا جديدا، هو عراق المكونات المتناحرة، العاكفة على عزلاتها، الذاهبة الى قياماتها التي لن تقع إلا بعد أن يتهشم كل شيء.

جيش العراق الجديد مثله تماما ومثل مكوناته ومثل طبقة السياسيين فيه ومثل متعهدي مشاريعه العمرانية القائمة على السرقة الكاملة، من غير أن تترك لها أثرا ولو صغيرا على الأرض، ومثل القطارات التي استوردتها حكومته من الصين وهي تعرف أن العراق لا يملك شبكة سكك حديدية ومثل اجهزة كشف المتفجرات التي اتضح أنها مجرد دمى بلاستيكية للأطفال.

جيش العراق الجديد كذبة مثل البضائع الصينية المستوردة لتسلية البلهاء فيما خزانة البلد خاوية من الاموال. هو مثل ممثلي الطوائف الذين قفزوا من القطار الاميركي ليحتلوا مقاعد خصصت لهم في الحافلة الذاهبة الى طهران وصاروا يعتبرون أنفسهم وسطاء بين واشنطن وطهران.

وكما يبدو فإن تنظيم داعش الذي استولى على ثلث مساحة العراق بسيارات مدنية وباسلحة شخصية وبجيش لا يزيد عدد أفراده على الاربعئمة رجل كان يعرف الشيء الكثير عن ذلك الجيش الذي هو عبارة عن حفلة تنكرية ارتدى المشاركون فيها أزياء عسكرية بالصدفة.

ما يعرفه تنظيم داعش تعرفه الحكومة العراقية جيدا، فهي بنفسها اشرفت على تأسيس ذلك الجيش ومولته ودربته واشترت له الأسلحة الحديثة. الانكى من ذلك أن كل ذلك جرى برعاية مباشرة من القوات الاميركية التي تعهدت بإنشاء جيش غير عقائدي، يكون في إمكانه حماية الدولة الناشئة.

لقد جاء اعتراف أحد ضباط الجيش الكبار وهو يقيم الآن في المانيا بأن ذلك الجيش انما يتألف من أفراد الميليشيات السابقين الذين تم منحهم رتبا عسكرية عالية بمثابة كشف لحقيقة ذلك الجيش من داخله.

ضرب ذلك اللواء مثلا ببائع شاي كان قد رُقي إلى رتبة نقيب، غير أنه كان مصرا على التصرف بإعتباره بائع شاي. وحين تم توبيخه قال دفاعا عن نفسه "لقد كنت طوال عشرين سنة بائع شاي في فيلق بدر، فكيف يمكنني أن أتغير في ليلة وضحاها."

بعد كل هذا أيحق لنا أن نبحث أن نتساءل لمَ هزم الجيش العراقي في معركة لم تقع أصلا؟

فذلك الجيش لم يكن إلا عنوانا هزليا لمسرحية مأساوية، انتهت وقائعها بكارثة عظمى سيظل العراقيون يدورون حولها وهم في حالة عمى، ملقين باللوم، بعضهم على البعض الآخر، من غير أن يجرؤ أحد منهم إلى الاشارة إلى الفساد، بإعتباره الوباء الذي اجتاح ضمائرهم وعقولهم وقلوبهم وجعلهم يدرأون الخطر عن أنفسهم عن طريق التضحية بالآخرين من غير ان يفكروا بأن النار التي تشب بالآخرين ستصل إليهم.

اليوم صار جيش باعة الشاي في مرمى سخرية وحقد وكراهية وعبث ميليشيا الحشد الشعبي التي يشعر أفرادها أنهم قد حرموا وإلى الأبد من غنائم معركة الانبار التي لا يبدو جيش العراق الجديد مستعدا لتحريرها. لذلك صار زعماء الميليشيات يسخرون من رئيس الوزراء العراقي الحالي حيدر العبادي وهم يعرفون أنه لا يقوى على الرد عليهم بافعال جيشه الذي لا وجود حقيقي له على ساحة المعركة.

لقد أخطأ العبادي حين مرر فتوى السيستاني التي انتجت الحشد الشعبي، الذي هو تجمع لمليشيات، سبق لها أن ارتبكت أبشع الجرائم في حق العراقيين.

الآن يدفع العراق كله ثمن تلك الفتوى الطائفية. فلولاها لكان العبادي قد لجأ مضطرا إلى اعادة النظر في مسألة الجيش، الذي اكتشف مصدوما أن جزءا منه كان فضائيا، حسب تعبير العبادي نفسه.

الآن يقف العبادي بين نارين. نار داعش التي تحرق أجزاء من البلاد التي يحكمها ونار الميليشيات الشيعية التي يمكنها أن تشب في ثيابه، فيما افراد جيشه يهزمون في كل معركة يُزجون فيها.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
مطبخ قطر الإسلامي
2017-05-27
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
إيران في خريفها العراقي
2017-05-15
المزيد

 
>>