First Published: 2015-05-01

ماذا تريد إسرائيل من القلمون؟

 

لم يعدْ نظام دمشق وحزب الله يسببان قلقاً حقيقياً حيوياً لإسرائيل. غرق الطرفان في الوحل السوري الداخلي على النحو الذي لم يعد فيه 'الصراع مع العدو الاسرائيلي' أولوية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

أن تنشطَ اليد العسكرية الإسرائيلية لضرب أهداف في القلمون شمال دمشق، فذلك يعني أن تل أبيب، التي أجهضت الردّ المفترض عبر الجولان أيضاً، ستدلو بدلوها في التطورات السريعة التي بدا أنها بدأت تقلب موازين القوى في سوريا.

ينطلقُ التطوّر السوري من تصريحات كان الرئيس الأميركي باراك اوباما قد أدلى بها إلى الكاتب الأميركي توماس فريدمان (المقروء من قبل الجمهور العربي) ونُشرت في النييورك تايمز. تساءل سيّد البيت الأبيض عما يحول دوّل المنطقة من التدخل "لوقف انتهاكات حقوق الانسان في سوريا". فهم العالم (لا سيما القوى الإقليمية) أن تبدلاً قد طرأ على موقف واشنطن، وأن ضوءا أخضر قد لاح يرفعُ الفيتو عن سعيّ إقليمي لطالما رفضته إدارة أوباما لقلب الأمور على نظام دمشق.

لكن التطوّر الأبرز ساقته تفاهمات "عاصفة الحزم". شكّل التقارب بين السعودية وتركيا حجر الزاوية الأساسي للقفزِ نحو توافقات تتعلقُ بالشأن السوري. بدا أن تقاطعاً سعودياً قطريا تركياً يقفُ وراء تحريك الجبهات الجنوبية والشمالية على النحو الدي يفسّر التقدم النوعي اللافت للمعارضة من إدلب إلى جسر الشغور وامتدادا إلى حماه، كما في بصرى الشام ومعبر نصيب الحدودي...إلخ، وسط انهيار لافت لقوات النظام في دمشق.

وفي موازاة الجهد الميداني المحلي، المدعوم إقليميا والمغطى دولياً، تعودُ آلية "جنيف 3" للنشاط مجدداً، بما يوحي أن المعارك العسكرية، على جسامة نتائجها، ستبقى منضبطة متّسقة مع المواعيد الدولية، لا سيما الأميركية - الروسية الراعية لجهود التسوية الجنيفية. بهذا المعنى تدورُ المعارك ليس باتجاه اسقاط دمشق، بل لسوّق الأطراف المعنية نحو طاولة المفاوضات وفق موازين قوى ميدانية جديدة لم تكن متوفّرة في جنيف الأول والثاني.

في تضافر التقاطعات الداخلية الاقليمية الدولية في الشأن السوري، تدركُ إسرائيل أن ديناميات الحسم قد تفعّلت، وأن مصلحة القوى الكبرى بدأت تطلّ باتجاه تدخّل ضاغط للتحكّم بالمسار السوري وترويض حراكه العبثيّ الخطير. وإذا ما كان الجهدُ الخليجي التركي في مجابهته للمصالح الإيرانية في سوريا سيفضي إلى إطلالة تلك الدول على الخريطة السورية (بما فيها إيران)، فإن إسرائيل بدت تذكّر بحضورها الإلزامي في عملية إعادة تشكّل المشهد السوري، سواء جاء ذلك التشكّل عسكرياً أم تسوويا.

بقيت إسرائيل بعيدة عن البركان السوري طالما أنه لا يمثّل خطراً مباشراً على أمنها الإستراتيجي والحيوي. ذهبت إسرائيل أكثر من ذلك حين نشط اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة للدفاع عن خيار بقاء نظام الأسد في دمشق بدل أي خيار مستجد ضبابي الهوية، فيما نقل عن الجنرال عاموس جلعاد، رئيس الهيئة الأمنية والسياسية بوزارة الدفاع الإسرائيلية، من أن سقوط نظام الرئيس السورى بشار الأسد سيترتب عليه حدوث كارثة تقضى على إسرائيل، نتيجة لظهور إمبراطورية إسلامية فى منطقة الشرق الأوسط.

على ذلك قيل أن تقاعس واشنطن والقوى الغربية عن التدخل الحيوي في الشأن السوري، على ما جرى في مناطق أخرى، سببه التحليل الإسرائيلي للوضع السوري (الذي لجم، للتذكير، الاندفاعة الفرنسية البريطانية التي كانت تدعو للتدخل العسكري العاجل)، كما أسس لذلك الشلل الذي اعترى السياسة الأميركية حيال سوريا مقابل حيوية وعدائية السياسة الروسية في هذا الملف.

بقيت المذبحة السورية في الهمّ الإسرائيلي شأناً داخلياً سينجحُ نظام الأسد في مقاربتها (حسب جلّ ما سربته الصحافة الإسرائلية في هذا الصدد). ولطالما أفرجت الأصوات الإسرائيلية السياسية والصحافية تحاليل تذكّر بالهدوء الأسطوري الذي حافظ نظام دمشق (من الأسد الأب إلى الأسد الإبن) عليه في جبهة الجولان، وعدم ثقة أولي القرار في إسرائيل، بالمقابل، من امكانية التمتع بهذا التميّز النادر في ظل معارضة ترتبك مواقفها في الأفتاء في مستقبل العلاقة بين سوريا وإسرائيل، كما مستقبل الترتيبات الخاصة بالحدود الموروثة عن حربيّ 67 و73.

لم تتدخل إسرائيل في الشأن السوري في السنوات التي تلت حراك 2011 إلا للردّ، حسب زعمها،ِ على "التجاوزات" (التي للمفارقة لا علاقة لها بالصراع السوري الداخلي) التي من شأنها اللعب بالتوازنات التي لا تسمح تل أبيب باختلالها. بمعنى آخر تعاملت تل أبيب مع الخطر السوري وفق نفس الشروط التي سبقت الحراك السوري الداخلي، غير معنية بالعمليات العسكرية الداخلية، وحريصة بخبث المتشفي على عدم التأثير في توازن القوى بين المتحاربين.

قد لا تحيدُ إسرائيل في ضرباتها القلمونية الأخيرة (رغم النفي الرسمي الصادر عن ناطق عسكري إسرائيلي) عن قواعد الاشتباك السابقة. ضربت إسرائيل جهود دمشق النووية، كما محاولات نقل سلاح نوعي نحو مخازن حزب الله في لبنان، كما محاولات تعطيل الستاتيكو في الجولان، فيما استُنفرت الجهود الدولية بقيادة موسكو وواشنطن لتجريد دمشق من أسلحتها الكيماوية، ليس بسبب دمارها الشامل للمدن المعارضة في سوريا، بل للتهديد الذي قد تشكّله للأمن الإسرائيلي.

تحت ثوابت الحفاظ على أمن إسرائيل تأتي الضربات الجوية الجديدة في الداخل السوري التي استهدفت مراكز أسلحة صاروخية استراتيجية، فيما لا تفصحُ التقارير الاسرائيلية عما اذا كانت الأهدافُ تابعةً للنظام ويجري تنشيطها، أو أنها أهداف قد تستولي عليها قوات المعارضة، وبالتالي يجري تدميرها خشية وقوعها في أيدّ من لا يحترم قواعد الاشتباك المعروفة منذ آخر مواجهة سورية اسرائيلية عام 1973.

وإذا ما سبق لأمين عام حزب الله أن أعلن أن الحزب بحلٍ من أي قواعد إشتباك، فإن الضربة القلمونية هي "اختبار للأسد ولحزب الله" ولقواعد اللعبة التي أوحي بها نصر الله (وفق ما يراه المعلق العسكري في صحيفة "يديعوت أحرنوت" روبن بن يشاي). ولئن تعملُ إسرائيل بصمت تقليدي، ولا ينقلُ إعلامها إلا ما يكتبه الإعلام العربي والدولي، فإن تل أبيب ستعملُ على تظهير شراكتها الإقليمية في تقرير مصير الكعكة السورية، أو فرض شروطها لكي لا يتحوّل "المخلوق" السوري الجديد إلى مصدر خطر على الحسابات الإسرائيلية في المنطقة. وسيكون على المراقب تأمل التوتر الإسرائيلي في شأن التحوّلات السورية لقياس جدية تلك التحوّلات وحقيقة مآلاتها.

لم يعدْ نظام دمشق وحزب الله يسببان قلقاً حقيقياً حيوياً لإسرائيل. غرق الطرفان في الوحل السوري الداخلي على النحو الذي لم يعد فيه "الصراع مع العدو الاسرائيلي" أولوية، ناهيك على أن النظام السوري، كما قيادة حزب الله، اثبتا التزاماً بالتفاهمات التي أفضت إلى الاستقرار على حدود الجولان منذ "حرب تشربن" كما الاستقرار على حدود لبنان منذ "حرب تموز". وفي تهميش، وحتى اغفال اعلام دمشق والحزب، للضربات الإسرائيلية في القلمون والجولان ما يفسّر قبول الطرفين بقواعد اللعبة التي تفرضها اسرائيل حين اختراق التفاهمات، وما يعكسُ الحرج الذي يصيب الحزب أكثر من نظام دمشق من المبادرة العسكرية التي تتحكم فيها إسرائيل، وعجزهما عن انتاج ردّ جديّ يحاكي مستوى الخطاب الذي ما انفكت دمشق تعد به، أو ذلك الذي يتوعد به السيّد حسن نصر الله.

يتبرعُ موشي يعلون، وزير الدفاع الإسرائيلي، في التذكيرِ بالخطوط الحمراء التي، في حال اختراقها، قد تطلق يد إسرائيل في سوريا ولبنان. يرددُ الرجل أن إسرائيل لن تسمح بـ "نقل سلاح فتاك للمنظمات الإرهابية وإقامة قواعد إرهاب على الحدود مع سوريا أو تهديد مواطني إسرائيل على المدى القريب أو البعيد". وفي ما هو قريب فإن تل أبيب تتعاملُ مع أمر الميادين الواقع برعاية دمشق وإيران، وفي ما هو بعيد تحضيرٌ للأرضية التي ترومها إسرائيل قاعدةَ تعاملٍ مع ما هو قيّد التشكل في سوريا. يبقى السؤال في ما إذا كان من مصلحة دمشق وطهران، في ظل المستجدات الميدانية في الداخل السوري، الهروب باتجاه حرب كبرى مع إسرائيل، لا يبدو أن تل أبيب تمانع في خوضها في ظل الإتفاق النووي مع إيران والذي لا تهضمه إدارة نتنياهو ولا تبتلع ما يمكن أن ينتجَ عنه.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
أردوغان في الخليج: في ما هو أبعد من أزمة قطر!
2017-07-21
أزمة الخليج مع قطر: في بقاء مجلس التعاون من اندثاره!
2017-07-17
اللجوء السوري في لبنان: ليس في كل جدل عنصرية
2017-07-14
داعش ينتهي.. إيران تقلق!
2017-07-07
واشنطن لموسكو وطهران: الأمر لنا في سوريا
2017-06-30
ذئاب داعش المنفردة أخفت ذئبا بريطانياً وراءها!
2017-06-23
هل بات مسموحا استقلال الأكراد عن العراق؟
2017-06-16
قانون الانتخابات في لبنان: كيف التحوّل من بلد إلى بلدية؟
2017-06-09
الإرهاب في لندن: مراجعات بريطانيا المعلنة ومراجعات المسلمين المتأخرة!
2017-06-06
خطط سوريا المستقبل: أي دور جديد للأردن؟
2017-06-02
المزيد

 
>>