First Published: 2015-05-03

حقل ألغام بغيض

 

يكفي أن نتأمل الهراء الطائفي والديني والعنصري والقومي على فيسبوك لنعرف أي صلافة إعلامية نمارسها، وأي ضغينة تسكننا تجاه بعضنا وما حولنا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

مع تصاعد الكم المخيف من المعلومات، يغيب السؤال الأهم عن صناعة الأفكار، لأن وسائل التواصل الاجتماعي منحتنا الفرصة الأسهل للتفاعل مع الثقافة السائدة بل الخضوع لها فيما غابت عنا ميزة صناعة الأفكار في استثمار هذا الفضاء المجاني المدهش بتقريب المسافات وتسهيل شيوع الابتكار وانتشاره.

فيسبوك كان فكرة للشاب مارك زوكربيرغ للتواصل مع زملائه ضمن محيط الجامعة، ولأن الفكرة كانت نيّرة تفاعل معها العالم وخضعت للتطور بتصاعد مثير، تويتر كان أيضا فكرة صنعت معنى الاقتصاد والدقة وعمق التعبير. فلماذا تغيب عنا الأفكار في استثمارنا لأبهر فكرتين تكنولوجيتين معاصرتين؟

هكذا هي الفكرة أشبه بكائن حي قد يولد ميّتا وقد ينمو ويتطور عندما يشترك الآخرون في تنميته، ولكن التاريخ في النهاية سيكون شاهدا على منتج الفكرة الأولى، تماما كالرؤيوي الراحل ستيف جوبز الذي كان يفكر في تقريب تواصل العالم مع بعضه في جهاز خال من الأزرار والتوصيلات تسعه جيوب بناطيل الصغار!

الفكرة كانت في ذهن جوبز عن آي باد وآي فون… عندما كان العالم يستخدم جهاز كمبيوتر بحجم صندوق العروس، واليوم آي باد قطعة واحدة من لوح لا شيء فيه ولكن فيه كل شيء! إنه صانع أفكار وهذا كان عمله.

أريك شميدت المدير التنفيذي لغوغل كان متفائلا أكثر مما ينبغي، وهو يحرّضنا على صناعة الأفكار عندما وضع الحل أمام العالم العربي حول معضلة تدفق المعلومات بقوله “اكتبوا”.

واعتبر خلال مشاركته في قمة أبوظبي للإعلام خلال دورتها الأولى شبكة الإنترنت، أنها جعلت من العالم أكثر ديمقراطية عبر المزيد من الانفتاح والتواصل بين البشر، وأن الشبكة العالمية لديها ما يكفي حتى الآن لترقى إلى مستوى اسمها.

فهل يمتلك المستخدم العربي في تدويناته من الشجاعة ما يكفي ليفكر بطريقة مختلفة، ومن الجرأة ما يكفي ليؤمن أن بوسعه تغيير العالم، ومن الموهبة ما يكفي لتحقيق ذلك.

ألا يصبح السؤال عن غياب الأفكار في كل ما ينشره المواطن الصحفي على صفحته الإلكترونية، بحجم هذا الكم الهائل من المعلومات الذي نغرق فيه ونحن نسهم في صناعة خطابنا الإعلامي الشخصي على وسائل التواصل الاجتماعي.

لماذا نكتفي في أفضل الأحوال في نقل نشاطنا التدويني اليومي سواء من الجامعة أو المنزل أو الشارع أو المقهى أو عندما نتواصل مع الأصدقاء، بالكلام السائد لنصبح صورة مكررة من الملايين في إعلام المواطن الصحفي؟

يكفي أن نتأمل الهراء الطائفي والديني والعنصري والقومي على فيسبوك لنعرف أي صلافة إعلامية نمارسها، وأي ضغينة تسكننا تجاه بعضنا وما حولنا.

هل من المروءة أن يختفي المدون العربي خلف لوحة المفاتيح وخلف اسمه المستعار ليظهر وضاعته بشتائم وإسفاف وتحقير الآخرين، دون أن يحتكم لأي رادع أخلاقي.

فبمن يُصنع المستقبل؟ ألم يكن من أفكار نيّرة تنضج اليوم لتمنح الإنسان غدا الرفاهية والثقة بالنفس والاستقرار، في وقت منحتنا التكنولوجيا فرصة إعلامية متصاعدة للترويج إلى أفكارنا وتطويرها عبر الاتصال والاستقبال.

يكاد يكون إعلام المواطن الصحفي قاتلا متهورا للأفكار بل هو كذلك عندما يتميز بالتعبير عن ضغينته في كل ما ينشره اليوم.

فلماذا جعلنا مواقع التواصل الاجتماعي “العربية” حقل ألغام بغيضا بدلا من الاستفادة منها كمساحة حرة لأفكار بعدما تحدثنا طويلا عن قمع الحكومات لهذه الأفكار وحرية التعبير.

اليوم فيسبوك وتوتير خارج سيطرة حكوماتنا القمعية، فلم اختفت أفكارنا “النيرة” التي تحدثنا عنها وتذرعنا آنذاك بشرطي أمن يكتم أصواتنا؟

المثير في الأمر أن المواطن الصحفي العربي وجد له “ديكتاتورا” يكيل له الثناء ويبرُع في نشر صوره، ديكتاتور لا يرتدي بزته العسكرية، بل رجل دين مقدس بعمامة سوداء أو بيضاء!

لكن الخلاف لا يبدو – حسب آلن روسبيردغر رئيس التحرير السابق لصحيفة الغارديان – في سطوة الثورة الرقمية على وسائل الإعلام، بل في اختيار المجتمعات لخطابها وتنظيم أنفسها في ديمقراطية جديدة من الأفكار والمعلومات، وتغيير مفاهيم السلطة، وإطلاق الإبداع الفردي، ومقاومة خنق حرية التعبير.

فإذا أدار المواطن الصحفي ظهره للأفكار النيرة والمبتكرة والدافعة نحو رقي المجتمع، من أجل أنانية طائفية أو دينية أو قومية ضيّقة، والاكتفاء بفكرة ليس ثمة ما يمكن أن نتعلمه، فإنه سيجعل من هذا الفضاء التكنولوجي الحر، مقبرة لنفسه لا يزوره فيها إلا الموتى على شاكلته.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم متابع
الدولة لندن

2015-05-03

الاسم فيس بوك اكتشفه مارك
الدولة فلماذا تتحدثون بالطائفية

مقال كهذا لا نفهم منه سوى أنك لا تريد أن تتسخ يديك ولو بجرح نازف . وهل هناك أفكار اخطر من المشروع الصفوي ؟ وهل أنت تفهم بالتجارة مثلا أكثر من الدكتور أحمد الجلبي الذي ظهر عاريا يلطم رغم ملياراته و سفنه التجارية في المحيطات ؟ هذا واحد من ملايين خرجوا من عباءة ايات الله أولي العز

2015-05-03

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
السياسيون لم يعودوا من المشاهير
2017-07-26
مشهد واقعي لأخبار مزيفة في عصر ما بعد الحقيقة
2017-07-23
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
التلفزيون مريض ينشر العدوى بين المشاهدين
2017-07-09
شهر من الكسل
2017-07-04
بين أن نصنع أفكارا أو نكرر ما يقوله الآخرون
2017-07-02
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
المزيد

 
>>